أوجب الإسلام العدل حتى مع الكفار ممن قاتلنا وعادانا، ولو اقتضى ذلك أن يحكم للكافر على المسلم، فإن ذلك لا ينافي الولاء للمسلم والبراءة من الكافر، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المائدة:8] :
(1) روى البخاري عَنْ الأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ - رضي الله عنه - قَالَ:"كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ مِنْ الْيَهُودِ أَرْضٌ فَجَحَدَنِي فَقَدَّمْتُهُ إِلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟ قَالَ: قُلْتُ لاَ. قَالَ: فَقَالَ لِلْيَهُودِيِّ: احْلِفْ. قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِذًا يَحْلِفَ وَيَذْهَبَ بِمَالِي. قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا} [آل عمران:77] إِلَى آخِرِ الآيَةِ"، بوب عليه أبو داود {بَاب إِذَا كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ذِمِّيًّا أَيَحْلِفُ} . قال البغوي (شرح السنة:10/ 102) :"فيه دليل على أن الكافر يحلف في الخصومات، كما يحلف المسلم"أ. هـ.
(2) وروى مالك في الموطأ عن سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ عُمَرَ - رضي الله عنه - اخْتَصَمَ إِلَيْهِ مُسْلِمٌ وَيَهُودِيٌّ فَرَأَى عُمَرُ أَنَّ الْحَقَّ لِلْيَهُودِيِّ فَقَضَى لَهُ". قال ابن عبد البر (الاستذكار:22/ 20) :"وفي هذا الحديث من الفقه أن المسلم والكافر والذمي في الحكم بينهما والقضاء كالمسلمين سواء"أ. هـ."
(3) وفي مسند أحمد وسنن الدارقطني والبيهقي عَنْ جَابِرِ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ لَمَّا بَعَثَهُ - صلى الله عليه وسلم - لِيَهُودِ خَيْبَرَ فَخَرَصَ عَلَيْهمْ: يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ أَنْتُمْ أَبْغَضُ الْخَلْقِ إِلَيَّ؛ قَتَلْتُمْ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ - عز وجل - وَكَذَبْتُمْ عَلَى اللَّهِ، وَلَيْسَ يَحْمِلُنِي بُغْضِي إِيَّاكُمْ عَلَى أَنْ أَحِيفَ عَلَيْكُمْ". قال سماحة الشيخ ابن باز (مجموع فتاوى:6/ 494) :"ويجب على المسلم أن يعامل الكفار إذا لم يكونوا حربًا للمسلمين معاملة إسلامية بأداء الأمانة، وعدم الغش والخيانة والكذب، وإذا جرى بينه وبينهم نزاع جادلهم بالتي هي أحسن وأنصفهم في الخصومة، عملًا بقوله تعالى: {وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ} "أ. هـ."