الضابط الرابع: إباحة الحلف مع الكفار و الدخول تحت حمايتهم
أن الإسلام الذي جاء بالبراءة من الكفار لا يمنع عقد الأحلاف مع الكفار أو الدخول تحت حمايتهم إذا كان ذلك في مصلحة الإسلام أو المسلمين أو لدحر عدو ضرره أكبر في حال ضعف المسلمين وعجزهم؛ قال تعالى: {لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً} [آل عمران:28] . قال أبو بكر بن العربي (أحكام القرآن:1/ 268) عند قوله تعالى {إِلاَّ أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً} :".. إلا أن تخافوا منهم، فإن خِفْتُم منهم فساعدوهم ووالوهم وقولوا ما يصرف عنكم من شرِّهم وأذاهم بظاهرٍ منكم لا باعتقاد؛ بيَّن ذلك قولُهُ تعالى {إِلاَّ مِنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيْمَانِ} على ما يأتي بيانه إن شاء الله"أ. هـ. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (الصارم المسلول:1/ 226) :"فمن كان من المؤمنين بأرض هو فيها مستضعف، أو في وقت هو فيه مستضعف، فليعمل بآية الصبر والصفح والعفو عمن يؤذي الله ورسوله من الذين أوتوا الكتاب والمشركين، وأما أهل القوة فإنما يعملون بآية قتال أئمة الكفر الذين يطعنون في الدين، وبآية قتال الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون"أ. هـ. ويدل على ما ذكرنا:
(1) ما تواتر من أذن النبي - صلى الله عليه وسلم - للصحابة في الهجرة للحبشة وكان ملكها كافرًا لكنه كان عادلًا، ففروا من حكم كفار قريش إلى حكم كفار النصارى: فقد روى محمد بن إسحاق (السيرة:194) بإسناده قال: فقال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (إن بأرض الحبشة ملكًا لا يظلم أحدٌ عنده، فالحقوا ببلاده حتى يجعل الله لكم فرجًا ومخرجًا مما أنتم فيه) . فخرجنا إليها أرسالًا، حتى اجتمعنا ونزلنا بخير دار إلى خير جار؛ أمنا على ديننا، ولم نخش منه ظلمًا". وقال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز (مجموع فتاوى ومقالات:7/ 363) :"وسمح للمهاجرين من المسلمين بالهجرة إلى الحبشة مع كونها دولة نصرانية لما في ذلك من المصلحة للمسلمين وبعدهم عن أذى قومهم من أهل مكة من الكفار"ـ حتّى قال ـ:"وهكذا بعثه المهاجرين من مكة إلى بلاد الحبشة ليس ذلك موالاة للنصارى، وإنما فعل ذلك لمصلحة المسلمين وتخفيف الشر عنهم"أ. هـ. وقال العلامة عبد الرحمن السعدي (الفتاوى السعدية:94) :"