أن الإسلام الذي جاء بالبراءة من الكفار وأوجب نصرة المسلمين بعضهم لبعض وجعلها من ولايتهم يمنع من نصرة المسلمين على الكفار إذا كان ثم عهد بين المسلمين وبين هؤلاء الكفار، أو كان المسلمون عاجزين عن نصرة إخوانهم ولا يعد ذلك مما يناقض عقيدة الولاء والبراء:
(1) ترك النصرة لأجل العهد: قال - عز وجل - {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُم مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [الأنفال:72] : قال الطبري في تفسير الآية (10/ 38) :"إلا أن يستنصرونكم {عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ} يعني: عهد قد وثق به بعضكم على بعض أن لا يحاربه"أ. هـ وقال ابن كثير (تفسير القرآن العظيم:2/ 315) :"فإنه واجب عليكم نصرهم لأنهم إخوانكم في الدين، إلا أن يستنصروكم على قوم من الكفار بينكم وبينهم ميثاق، أي مهادنة إلى مدة، فلا تخفروا ذمتكم ولا تنقضوا أيمانكم مع الذين عاهدتم، وهذا مروي عن ابن عباس - رضي الله عنهم -"أ. هـ. وقد ترك حذيفة وأبوه - رضي الله عنهم - نصرة النبي - صلى الله عليه وسلم - في بدر بسبب العهد والميثاق الذي أخذه منهما كفّار قريش أن لا يقاتلا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فأقرهما - صلى الله عليه وسلم - كما تقدم في رواية مسلم حين قال:"انْصَرِفَا نَفِيْ لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ، وَنَسْتَعِينُ اللَّهَ عَلَيْهِمْ".
(2) ترك النصرة لأجل الضعف: وقد ترك النبي - صلى الله عليه وسلم - نصرة كثير من المستضعفين من أصحابه في مكة لعدم قدرته على نصرتهم؛ وقال لهم لما استنصروه كما روى البخاري:"وَاللَّهِ لَيَتِمَّنَّ هَذَا الأَمْرُ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لاَ يَخَافُ إِلاَّ اللَّهَ وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ".
(3) ترك النصرة لكون القتال غير ديني: لقوله تعالى: {وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ} ، تقدم قول ابن كثير قريبًا (تفسير القرآن العظيم:2/ 315) :"قوله {وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ} الآية، يقول تعالى: وإن استنصركم هؤلاء الأعراب الذين لم يهاجروا في قتال ديني على عدو لهم فانصروهم"أ. هـ. فقيده بالقتال الديني. وقال العلامة عبد الرحمن السعدي (تيسير الكريم الرحمن:440) :" {وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ} أي: لأجل قتال من قاتلهم [لأجل دينهم] {فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ} ، والقتال معهم. وأما من قاتلوهم لغير ذلك من المقاصد فليس عليكم نصرهم"أ. هـ.