الصفحة 17 من 441

وقد كان لتصدي الإمام الشاطبي لأنواع من البدع التي أَلِفَها الناس واعتادوها أثره في المواجهة، ليس مع العامة والدهماء، بل ومع بعض العلماء، ومنهم من كان من شيوخه، وكان مما اتهم به:

1 -القول بأن الدعاء لا ينفع وأنه لا فائدة فيه: وسبب هذه التهمة أن الإمام الشاطبي لم يلتزم الدُّعَاءَ بِهَيْئَةِ الِاجْتِمَاعِ فِي أَدْبَارِ الصَّلَاةِ حَالَةَ الإمامة، وقد كان الناس في الأندلس يلتزمونه في ذلك الزمن.

وقد رد الإمام الشاطبي - رحمه الله - على أصحاب هذا القول، وبيَّن أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ فِعْلِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وآله وسلم - ولا من قوله ولا إقراره، كما لم يفعله أحد من السلف. ورأي الإمام الشاطبي في هذه المسألة هو الصواب، إذ إن هذا العمل من المحدثات، وسبقه شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - إلى الحكم ببدعية هذا العمل حيث قال: «أما دعاء الإمام والمأمومين جميعًا عقيب الصلوات فهو بدعة» [الفتاوى (22/ 519) ] .

2 -اتُّهِمَ - رحمه الله - بالرفض (أي التشيع) وبُغْض الصحابة - رضي الله عنهم: وسبب هذه التهمة أن الإمام الشاطبي لم يلتزم ذِكْرَ الخلفاء الراشدين في الخطبة على الخصوص، واحتج بأن ذلك لم يكن مِنْ شَأْنِ السَّلَفِ فِي خُطَبِهِمْ، وَلَا ذَكَرَهُ أَحَدٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْمُعْتَبَرِينَ فِي أَجْزَاءِ الْخُطَبِ.

وليس في موقف الإمام الشاطبي - رحمه الله - من هذه المسألة ما يدل على بغضه للصحابة - رضي الله عنهم -، ثم إن له سلفًا فيما ذهب إليه، فقد عزا هذا القول إلى أصبغ، والعز ابن عبد السلام. وإذا نظرنا إلى أن ذكْرَ الخلفاء الراشدين في الخطبة كان مُلْتَزَمًا به في بيئة الإمام الشاطبي، بل يعد تاركه مبتدعًا، فلا شك أن كسر هذه القاعدة أمر مطلوب، لأن ذكر الخلفاء الراشدين في الخطبة ليس ركنًا فيها ولا واجبًا.

والمسألة من المسائل الخلافية، ولشيخ الإسلام ابن تيمية تفصيل فيها؛ حيث ذكر أن من أهل السنة من يفعله ومنهم من يتركه، إلا أنه قد يكون مأمورًا به إذا كان فيه تحصيل لمقصد شرعي؛ كالرد على الخوارج الذين يبغضون عليًا وعثمان ويكفرونهما. [منهاج السنة (4/ 156 - 170) ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت