الصفحة 9 من 32

كما أن الحياة العربية وجّهتها ولا تزال تُوجّهها أربع خصائص أساسية، اللاهوتانية-والماضوية-والفصل بين المعنى والكلام والتناقض مع الحداثة.

ولذلك فالخلاصة أن الذهنية العربية والإسلامية، ذات مبنى ديني، أي ذهنية اتباعية، لا تؤكّد الاتباع وحسب وإنّما ترفض الإبداع وتٌدينه، ولذلك لا بد من هدم هذه البنية وإقامة بنية جديدة مكانها ذات فلسفة عقلانية تقدِّس الإبداع وتتماشى مع الواقع، وترفض أن تُسجَن في الماضي، بل ترفض الماضي التراثي كونه سكونًا مطلقًا وكيانًا سلبيًّا أسطوريًّا وغيبيًّا ( [25] ) .

3 ـ المدرسة البنيوية:

و يمكن تحديد البدايات الأولى للبنيوية العربية في النصف الثاني من الستّينات على يد نخبة بعضها تعلّم في أوربّا، وبعضهم تشرّب أفكار ليفي ستروس وعشقها وعمل على تطبيقها في شتى مناحي الحياة الثقافية العربية، خاصة فيما يتعلق بإعادة تشكيل العقل العربي عبر تحليل جديد للبنى؛ يقوم أساسا على"البنية المستقلة"، و"موت القارئ" ( [26] ) ،واعتباطية العلامات؛ وكل ذلك يشكّل مدخلا هامّا وضروريّا للولوج إلى الحداثة: (وهكذا تقفز المسافات قفزا، ويطوى الزمن طيّا، فكانت النتيجة أن ضعفت الصلة بين دعوات التجديد في الأدب العربي الحديث وبين واقع المجتمعات العربية التي لا تستطيع أن تتطوّر فكريّا بالسرعة التي تتطوّر بها نظريات الآداب المستوردة) ( [27] ) وهو وصف مطابق لحال الحداثة العربية التي حاولت اللّحاق بالركب الحضاري الغربي عبر الاستنساخ التام والسريع، وربح الزمن دون النظر إلى المراحل التاريخية الموضوعية الواجب المرور بها، ولذا وجدنا تطويع بعض الخلافات بين النسختين لضرورات زمنية كما يعتبر دعاة البنيوية العربية.

و أوّل ما قامت به البنيوية العربية هو إعادة قراءة التراث، والوصول إلى نظرية نقدية متماشية مع طابع التحديث، فكانت الدراسات الغزيرة حول عبد القاهر الجرجاني، والنظريات الجديدة حول الشّعر الجاهلي خاصة عند الناقد كمال أبو ديب ( [28] ) ، والمرايا المتجاورة للدّلالة على ضرورة مطابقة المعنى للواقع في دراسات جابر عصفور ( [29] ) ، والمعالجات المنطقية الأدبية لشكري عياد ( [30] ) ، وغيرها من عشرات الدراسات.

وعلى كلٍّ، فإن علاقة البنيوية العربية بالفكر الإسلامي تتجسد خصوصا في النقاط الآتية:

أ-نسبية القراءة، بما يؤدي إلى تجاوز منطق التأريخ إلى التاريخ، أي تجاوز العرض فقط إلى ممارسة تأويلية عبر عقل المبدع، قال جابر عصفور: (وذلك وضع معرفي يمكن أن يفيد منه قارئ التراث النقدي، فهو مؤرّخ آخر يكتب تاريخه، يعني الحاضر، ومن منظور مشاكله) ( [31] ) .

ب-أن الرموز اللغوية في النصوص الإسلامية متعدّدة الدّلالة حيّة متحرّكة، لا تقرأ نفسها بنفسها، وتمتلئ بثغرات الصمت وعلامات الغيّاب ووفرة الإحالات إلى ماهو خارجها، وكذلك تنفر من المطلقات والفرضيّات الجاهزة ولغة الظاهر المحدّدة.

ج- مقاومة المقدس باعتباره فكرًا أسطوريًا منسيا؛ ومحاولة بناء فكر نقدي يعتمد تعدد العقول وجدلية الوجود واعتماد المقياس الزمني والتاريخاني في بلورة رؤية نصية صحيحة بعيدة عن الإطلاق والانغلاق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت