الصفحة 5 من 32

وذات القارئ تعمل وفق آلية التأويل، وهو في الحقيقة"تأويلات"على سبيل التتابع، تأويل يؤول إلى تأويل بما يتجاوز كل الأصول والبدايات، وهي عين الرؤية التفكيكية، وإنّما الاختلاف في الشكليّات ليس إلاّ، ففي الوقت الذي كان فيه جابر وغيره يمجّدون التحليل البنيوي، كانوا ودون شعور يمارسون الهيرمنيوطيقا المهرطقة ( [8] ) ، أي التأويل غير المحدود، باستنادهم إلى الواقع أو ذات القارئ على نطاق جدّ واسع بما ساهم في قتل المؤلف، وقتل النص أيضا، وبقي اللعب في التساوق (تأويل يضاهي تأويلا) والذي يؤول أخيرا وليس آخرا إلى حالة عدمية يستحيل معها القبض على المعنى، أو الحديث بمنطق النعت، لأن الإشارة لا تقع سوى على واقع متقلب أو حدث متألّب.

إذن منطق الفكر والحدث ( [9] ) هو الذي حكم مجموع هذه القراءات، حدث يؤدي إلى تكوين وعي يُسهم في قراءة جديدة أو مُعادة للماضي والحاضر، أي للتراث بجميع فرعيّاته، ويؤدي إلى إلغاء أوامر الأوّليات ونظام المفاهيم وسلطة الحضور في أيّ كان ( [10] ) ، فبرزت النظرة التاريخية إلى الفكر الإسلامي، وهي تتنوع إلى مادية تاريخية، وتاريخية نسقية (وجودية) ، وبرزت النظرة التجزيئية إلى التراث والتي ساهمت في ثقافة الشرخ وعقلية التبرير والذريعة في الفكر الإسلامي، وظهرت المدارس التي تدّعي علمية النقد دون أن تعي مصدر هذه العلمية، وإلى جانبها وفي اتجاه مضاد الرؤية التي تدعو إلى نهائية المعنى داخل الفكر الإسلامي، أو إلى الدلالات المتفجّرة ذات المنابع الواقعية ( [11] ) .

والملاحظ على جل هذه المدارس أو القراءات اهتمامها الشديد دون استثناء بمفاهيم النص والدلالة واللفظ والمعنى والتاريخ والنظام اللغوي، وهو تطوّر هائل يتماشى، بل يقلّد ماهو موجود في البيئة الغربية من حيث غلبة النسق اللغوي والأدبي على حساب الأنساق الأخرى، وعليه يفسّر الهوَس الشديد بمصطلح القراءة الذي يعني تقديم البديل على مستوى الدلالة والمعنى، وهو انقلاب جذري ضد الاتجاهات السابقة (علي عبد الرازق، وطه حسين مثلا) التي أرادت مواكبة المدنية الغربية في بعض الجزئيات لا غير.

وعليه يمكن تعريف القراءة المعاصرة داخل النطاق الإسلامي بأنها: (دمج الوعي الجديد داخل مجرى النص الإسلامي) .

وشرح التعريف يوضّح أكثر هذا التحديد:

-فدمج الوعي الجديد: معناه إقحام المكتشفات المعرفية الجديدة على مستوى المناهج والآداب والفلسفة في أوربّا والعالم، والذي أسّس عقلا جديدا في أوساط النخبة العربية تغيّرت نظرته إلى الواقع وإدراكه، وهو الوحيد القادر على تجلية المعاني الحقيقية في جميع النصوص الإسلامية، إن كانت دينية أو اجتماعية أو ثقافية، عبّر عن ذلك عبد الله الغُذامي بقوله: (وجدنا أنفسنا في مواجهة خطيرة مع فعّالية القراءة، فقد منحناها سلطة على النص تجعلها ذات قيمة أوّلية) ( [12] ) .

فدمج الوعي معناه أيضا تجريبية القراءة، باعتبار غلبة الاتجاه الماركسي الذي يقدّم الوجود على الماهية عند جل أفراد النخبة العربية والإسلامية، ويشير أيضا إلى اجتماعية القراءة، أي ضرورة تجاوب النص مع تطلّعات المواطن العربي بما يجعل القراءة ظاهرة اجتماعية وإيديولوجية، تُزحزح جمود الواقع والعقل الإسلاميين.

ودمجُ الوعي أيضا معناه الارتباط بالنظام الذي يصنع الوعي، وهو بالدرجة الأولى النظام اللغوي، فاللغة هي التي تصنع واقعنا حسب دريدا وتلاميذه في العالم العربي والإسلامي ( [13] ) من خلال منظومة المجازات والاستعارات الواسعة التي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت