ـ ونموذجيته.
ثانيا: ميلاد القراءة الحداثية المعاصرة:
إذا كانت القراءة قد برزت العناية بها في الأوساط الغربية، في الأدب والفلسفة والمناهج وجل العلوم الإنسانية منذ منتصف القرن السابق، ثم تطوّرت مع جماليّات التلقي ونظريّات الاستقبال المكتشفة في الستينات، فإن الأمر في العالم العربي على عكس ذلك، فلم يبرز المصطلح إلاّ في أواخر السبعينات مع الترجمات الواسعة لأعمال النقّاد الغربيين في مواضيع البنيوية والتفكيك وغيرها، لذلك لن نجد عناءا كبيرا في القبض على معنى القراءة داخل النطاق العربي والإسلامي، اللهمّ إلاّ الوصف المضاف، وهو"المعاصرة"والذي إن دلّ فإنّما يدل على هوس العقل الإسلامي الحداثي بتجاوز التراث، أحيانا باسم الحداثة، وأخرى باسم المعاصرة في الأدبيات الإسلامية.
فمنذ أن فجّر الدكتور علي عبد الرازق (1911 - 1966) ؛ الأستاذ بدار القضاة بالقاهرة؛ الضجة الكبيرة حول بنية الإسلام، ازداد التهافت لتقديم رؤى جديدة في الدّين والحياة، والأصول والأخلاق الخ وكل ما يمتّ بصلة إلى الإسلام، وزاد من بريق هذه القراءات ادّعاء الجدة والعبقرية والإبداع في هذا المجال، إضافة إلى حاجة جلّ الأنظمة الاشتراكية العربية إلى تجاوز التراث، لأن الأكثرية في البدايات الأولى كانت تؤمن بالطابع العلماني للدولة.
و قد تناول علي عبد الرازق لأوّل مرّة في العصر الحديث في العالم العربي مسألة العلمانية والدين، واعتبر أن أصول الإسلام متفقة تماما مع مبادئ العلمانية، في نقطة فصل الدين عن السياسة أو الدولة، واستدلّ بنصوص كثيرة، وهي أول قراءة للنص تؤدي إلى قتل المحتوى الأصلي إن صحّ التعبير، وتطرحُ تأويلا جديدا يستند إلى السياقات التاريخية والاجتماعية، وكان تركيزه على العلاقة بين الأنساق، وليس بين النص وقائله ( [3] ) .
وعبد الرازق عندما صدر منه هذا الرأي لم يصدر نتيجة نظرية في القراءة مما يُعرف الآن، وإنّما كان همه أن يصل إلى التبرير الشرعي لفصل الدين عن الدولة، ومن ثمّ إصباغ الصفة الإسلامية على الدولة المدنية حسب التعبير الشائع في أوربا آنذاك.
وجاء طه حسين بعد مدة من الزمن، وتخطى عمل عبد الرازق ليتولّى تحقيق النص أولا، ثم السياقات المحتفة حوله (يسمى عند الأصوليين تحقيق المناط) ، وأخيرا ممارسة القراءة المثالية، فكان أن أعلن عن دعوى الشّعر المنحول، بما يؤدي إلى القول بوضع القرآن، ومن ثمّة القدرة على تجاوزه، نظما ومعنى ( [4] ) ، وهو قول جدّ خطير، أعظم من رأي عبد الرزاق، خاصة مع امتلاك طه حسين لناصية الأدب، إضافة إلى تكاثر أعماله في هذا المجال، حيث قدّم مجموعة رؤى في شتّى مجالات الحياة الدينية ( [5] ) .
وتزامن كل ذلك مع ولادة المدارس الأدبية والفلسفية المعاصرة، كالوجودية والظاهراتية والسيميائية والبنيوية والتفكيكية، فلم نصل إلى السبعينات من القرن الماضي حتى وجدنا أكثر النقاد العرب يقولون بالفاعل المختار ( [6] ) ، أي وجود قارئ يمتلك بوعيه ناصية النص، قال جابر عصفور عن ذات المفكّر أو الشاعر في عملية القراءة: (حالة وعي تنبثق في اللحظة التي تتمرّد فيها الأنا الفاعلة للوعي على طرائقها المضادّة، في الإدراك .... ولذلك تظل قرينة البحث الذي لا يتوقّف، لتعرف أسرار الكون والسيطرة عليه فكريّا وعلميّا) ( [7] ) .