الصفحة 3 من 32

أكثر حدّة وجرأة في طرح أفكار تجاوزت الإنسان ذاته كمركز للوجود؛ يعبّر الفيلسوف ماكس فيبر عن ذلك بقوله: (إن قدر حقبة أكلت من شجرة المعرفة هو الاعتراف بأن مواقفنا من الحياة والكون ليست أبدا نتاج تعاظم معرفتنا التجريبية، وإن أرفع المثل العليا الأشد تحريكا لنا؛ إنما تتشكّل فقط في الصراع مع مثل أخرى مختلفة؛ هي مقدّسة عند الآخرين، تماما كما هي مُثلنا بالنسبة إلينا) ( [1] ) .

ولعله لا نبالغ إن قلنا إن من أهم رواد الدراسات العميقة للحداثة الغربية في عالمنا العربي؛ المفكر المصري"الدكتور عبد الوهاب المسيري"؛فقد اخترق هذه الحداثة وعاش جانبا منها؛ واقعا ومعرفيا وفلسفيا، دون تبنيها كمرجعية معيارية وفكرية كما حدث للكثير ممن تبنى الحداثية كفكر ومنهج وممارسة؛ يقول أحد الباحثين المهتمين بالحداثة في البيئة العربية: (تتمثل الصورة التي يعاين القارئ من خلالها جهد المسيري اليوم في هيئة رؤية نظرية نقدية للحضارة الغربية تنطلق من تأملات حول الإنسان، والمركز، والمعيار الأخلاقي، ومعايير المادة، وإمكانية التجربة المتجاوزة، وطبيعة المنظومات التفسيرية، وعلاقات العلم والمعرفة والقيمة، وقد يكون من اللافت حقا: أن البلورة التي أنجزها المسيري لهذه الأفكار طوال ثلاثين عامًا أو يزيد، قد جاءت في إثر تحول دراماتيكى من النقيض إلى النقيض تمامًا، أو مما يسميه هو نفسه بـ"الانبهار"بالحضارة الغربية إلى الرؤية النقدية الشاملة والجذرية كما تتضح في كتاباته) ( [2] ) .

ولعلني هنا أشير إلى اقتران ما بعد الحداثة بالحداثة، فالتأسيس لقيم ما بعد الحداثة بتياراتها المختلفة لم ينهض إلا عبر مشروع الحداثة الذي أعلَنَ منذ البداية سقوط الكثير من قيم الحضارة الغربية الكلاسيكية ومنظومتها، ونادى بضرورة تقويض مركزيتها وميتافيزيقيتها، وعليه فلا إشكال إطلاقًا في الحكم بأن منظومة ما بعد الحداثة وُلدت من رحم بعض قيم الحداثة، فما بعد الحداثة مرحلة زمنية معيّنة حملت معها قيمًا وتصورات جديدة لشتى الميادين العلمية والسياسية والحياتية، تجاوزت الحداثة كتصور ومفهوم ومنظومة ميتافيزيقية، وقامت على أنقاضها لغلبة القيم المادية المشكلة لها والتي ينادي اليوم بعض مفكرينا بتبنيها.

إن نظرة استقرائية موضوعية لمنظومة وجذور الحداثة تكشف بوضوح، أنها تركة واسعة للفكر الأوروبى بتاريخه الطويل ورموزه المهمة ومراحلة الأساسية، لقد بيّنت هذه النظرة والنظرات: أن المنظومة الفكرية الغربية التي اتسعت فشملت ليس الفلسفة فحسب، بل التاريخ والانثروبولوجيا وعلم الاجتماع وعلم النفس والفكر السياسى، إنما كانت رهينة ميتافيزيقا المادة التي قادت إلى نتيجة غاية في الأهمية والخطورة، ليس على الفكر المجرد فحسب؛ إنما على المستوى الحضاري والسياسي والاقتصادي والعرقي، فقد كرّست: الفردية بدل التعددية، والعصبية بدل الاختلاف، والروح بدل المادة، والأبدية بدل الزمن، فتم تزييف الوعي ورهنه بوجود لم يعد ثابتًا، وعليه تضافرت كل تلك الأسباب والعوامل التي فرضتها ميتافيزيقا المادة وتراكمت عبر التاريخ؛ فتجسّدت في الفكر السياسي الغربي الحالي:

ـ بمركزيته.

ـ ومطلقاته المادية.

ـ وعنصريته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت