ورغم أن الاجتهاد الشرعي في الاستنباط و في الإحالات إلى حكم الفروع، ليس متسيّبًا، ولاهو يدل على تناقض جوهري في أصول ومصادر التشريع الأساسية؛ ولا في أصل هذه القواعد الاجتهادية؛ والتي ما هي إلا قواعد تفسيرية تستمد حجيتها وصفتها الشرعية من أدلة تلك المصادر، إلاّ أن هؤلاء بثوا الشك في مصادر الاستنباط وفي طرق التفريع أو الإحالة إلى حكم الفروع؛ عملا بقواعد التلقي الحديثة في أن النص محكوم بوعي القارئ لذلك فلا يمكن الجزم بحكم مستنبط؛ سواء بالأصالة أو التبعية.
وقد افتتن بهذه الدعوات نخبة معتبرة في عالمنا العربي والإسلامي، بما فتح المجال أمام حداثة علمانية متطرفة؛ لا تستبيح النص فقط، وإنما هدفها تشويه وتحريف الدين الحنيف.
كما أنه يجب التنبيه إلى أن أفضل المطارحات في تبيان تهافت دعاوى هؤلاء لا يكون بالرد العنيف غير المحتكم للمنطق العلمي؛ والذي يؤدي إلى نتائج عكسية في صالح الأدعياء، بل يجب الالتزام بالمحاورة العلمية الهادئة والمستوعبة للإشكاليات المطروحة، والقادرة على درء الشبهات وإثبات عظمة الاستنباط والاجتهاد الشرعي.
-فما هو النقد الحداثي المشتغل على النص الديني؟ - وماهي آلياته؟ و ماهي سقطاته العلمية والنقدية؟ - وما هي جذوره وخلفياته؟
-وهو المنهج الأمثل للتعامل مع هذه المدارس، المستوعب للظروف والأنساق المعاصرة؟
هذه الأسئلة؛ هي المحور الذي سيدور عليه بحثنا المقترح لمؤتمركم الميمون إن شاء الله.
وعلى هذا الأساس قسمت البحث إلى مبحثين:
المبحث الأول: ماهية النقد الحداثي.
المبحث الثاني: النقد الحداثي في الميزان العلمي.
المبحث الأول: ماهية النقد الحداثي.
أولا: حقيقة الحداثة:
الحداثة مذهب فكري واسع الانتشار؛ تجاوز النظرة التقليدية التي كانت قائمة على الحقب الزمنية؛ تبدّى وظهر كمنظومة قوية من المشاعر والأفكار ابتداء من النصف الأول من القرن العشرين؛ ولعب دورا حاسما في تحديد مسار التطور الاجتماعي والثقافي والسياسي في الغرب؛ واستطاع أن يضمن الشروط الموضوعية لهذا المسار.
ولذلك أصبح يُفرّق بين الحداثة كتيار فكري عالمي؛ وبين الحداثة كتحقيب زمني جاء مباشرة بعد نكسة الكنيسة ورجال الدين أمام الحركة العلمية القوية التي قادها عدد من الوضعيين الغربيين؛ ككوبرنيكس ... فهي حالة تاريخية من جهة، وتيار فكري واسع يحمل مضامين عميقة وقيم جديدة للإنسان والكون والحياة، وما لبث أن توسّع و تمدّد ليشمل تيارات جديدة