الصفحة 20 من 32

الجنس؛ إذ العقل في مراد أركون يقبل التوسّع والنقض والتطور، بينما في إطار الاعتقاد الإسلامي فإنه قريب من التصديق المطلق، أو الإيمان الجازم المطابق للواقع، وهو بذلك يختلف عن الذي يقبل الزيادة والنقصان والتصحيح والتطوير؛ ولذلك رأينا الخلاف المشهور بين الماتريدية وعامة أهل السنة، في قبول الإيمان للزيادة أو النقصان بناءً على المنطق اللغوي، وقد قال الجمهور بالزيادة؛ لكن ليس في الماهية؛ أي: في مطلق التصديق، ولكن في العلاقة بالمصدَّق؛ أي: الله سبحانه وتعالى، والأركان الإسلامية والعقائد الدينية ( [80] ) ، وإذا نظرنا إلى الفرق الإسلامية فلا تنازع بينها في هذه المسائل القطعية المتعلقة بالتصديق، إنما يرجع الخلاف إلى فروع العقائد: كالرؤية وجنس الصفات وموقعها ... إلخ؛ بدافع عقلي أو نصي أو سياسي؛ فالأول والثاني يمكن اعتبارهما، أما الدافع الأخير فيقع ضمن دائرة الضلال والحَيْدة عن الماهية والتصور؛ لأنه أقرب إلى التلوُّن بتغيُّرات الواقع والأحداث، وخارج إطار التقسيم الابستمي للفكر.

هذا عن بعض التفصيل في النموذج الأركوني في تاريخية النص، أما من الناحية العامة، ومقابلة للنسخة الغربية من التفكيك وبعض نظريات التأويل والتلقي، فإننا نسجل هذه الملاحظات السريعة:

1ـ عدم وضوح المنهج في التفاصيل، خاصة في مشروع إعادة القراءة؛ أيعني ذلك الانطلاق من الجزء إلى الكل أم من الكل إلى الجزء، وكيفية تحديد آليات هذه القراءة طبقًا لذلك.

2ـ عدم امتلاك أغلب الدارسين والباحثين في هذا المجال لآليات تفسير النصوص، خاصة قراءة الأصول؛ والتي تتطلب ملَكة قرائية واجتهادية كبيرة وشروطًا صارمة، لم يحمل أتباع التاريخانية التفكيكية منها سوى بعض مناهج العلوم الاجتماعية والانثروبولوجية المعاصرة، ونحن نعرف كما ذكرنا سابقًا أن ليفى ستروس لما قام بتحليل الأسطورة عند بعض شعوب أمريكا اللاتينية، عاش معهم مدة كبيرة من الزمن كفرد من أفراد القبيلة، قصد إعطاء تحليل موضوعي وعلمي لشعوب تلك المناطق ( [81] ) .

3ـ إن كثيرًا من مبادئ ووسائل التاريخانية؛ والتي ما هي إلا جزء من منهج ما بعد حداثي؛ يلتقي مع مدارس النقد الجديد في الكثير من النقاط؛ خاصة في التأويل المستمر، وأولوية المنفصل، والبنى المقطّعة، والانقطاع التاريخي، ودور النسق في عمليات القراءة، ونقض المفاهيم الكلية، وتقديم الكتابة على الشفاهية، وفي الحقيقة ما هي إلا استنساخ لاصطلاحات غربية ووسائل أوربية، سقط أكثرها في الفوضوية؛ ونقد الجذور الذي عرضناه في بداية الباب الثالث كافٍ لنقض التطبيق التعسفي والارتجالي للنسخة الإسلامية.

4ـ الحضور الواضح لمناهج متعددة ومتناقضة في هذه المقاربات تجعل من القارئ كما يعبّر جورج طرابيشي من الصعب عليه: (أن يظل محتفظًا بقواه العقلية سليمة، بعد أن يتراقص مع -كاتبنا- في حلقة المتناقضات الجنونية التي تدور فيها معالجته للموضوع) ( [82] ) ، وهذا التناقض والازدواجية كما تظهر عند العالم النفسي ـ جورج هويرـ: ميل إلى اعتبار مختلف الأفعال النفسية في مظهرها الموجب والسالب في آن معًا؛ كأن يُثبِت المرء وينفي الشيء الواحد في آن واحد، وأن يحب ويكره الشخص الواحد في وقت واحد، وأن ينزع إلى هدف بعينه، وأن يسعى في الوقت نفسه إلى تحاشيه، وتلك هي وحدة الأضداد ( [83] ) .

وهذا ما نراه عند ممثلي النماذج الحداثية في عالمنا العربي والإسلامي، فمن إقرار بالنبوة إلى نفيها عبر إعطائها مفهوم دنيوى: يقول في هذا أركون: (لا يتعلق الكفر بتكذيب الرسول فذلك محال) [84] ، وفي:"نزعة الأنسنة"يرى أن النبوة ما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت