الصفحة 21 من 32

هي إلا تحريك التاريخ أو شحنه بطاقة خلاّقة؛ تعلّم الإنسان بأنه كائن وسيط.

والأمر نفسه مع نصر حامد أبو زيد، فهو يعتبر النص مركز الحضارة؛ وما هي إلا بعض الصفحات حتى ينفي ذلك ويقول: إن النص له دور أساسي ولكنه ليس مركزيًا ( [85] ) .

وعلى المستوى المنهجي فإن أركون يرفض المنهجية الاستشراقية؛ لكنه يستمد منها جل الطروحات المتعلقة بدراسة تاريخ القرآن وألفاظه ( [86] ) .

وتراه في موقع آخر يتجاوز بنيوية ستروس إلى تفكيكية دريدا في نقضه لمبادئ الهوية والحضور وغيرهما ... وفي الدراسة نفسها يجعل من الدراسة الانتروبولوجية؛ والتي ما هي إلاّ مرحلة متطورة من البنيوية، المنهج الملائم لنقد العقل الإسلامي، ودراسة المجتمعات الشرقية ( [87] ) .

وإذا ولينا صوب المتماهي مع ما بعد الحداثة في عالمنا العربي؛ وهو علي حرب فإنه لا يفوِّت الفرصة أبدًا لنقض الهوية والعقل والنص والتنوير والإصلاح؛ باعتبارها أشكالآً حضورية إيديولوجية، مرهونة بعالم الألفاظ وزخرفها ( [88] ) . وفي موقع آخر؛ يجعل من التنوير أعظم رسالة يقوم بها الناقد ما بعد الحداثي ( [89] ) ، مع أنه يحذّر في كثير من المرات أن هذه الرسالية تؤدي بالمفكِّر إلى أن يكون لاهوتيًا مبشرًا ( [90] ) وهو ما يسعى لاجتنابه ونقضه.

وإذا تعمّقنا أكثر؛ فإن هؤلاء يأخذون أحيانًا بالدراسة اللسانية؛ مع ما يعنيه ذلك من التسليم بسلطة الألفاظ في إقرار المعاني، بينما في منظومتهم المبدئية يقيمون عالم الأفكار على الفصل بين الذهن والكلام أو الألفاظ، معتبرين ذلك من خيال الأسطورة الذي لا يقبله النقد الحديث، حيث يميل إلى الواقع أو الحدث عبر عالم الكتابة ففيه يتم تجاوز الأصل أو المؤلف وتتحقق سيرورة التأويل.

وعلى مستوى مفهوم العقل؛ فإن تجليات التناقض فظيعة، إلى درجة الأخذ بشعار""عدو عدوي صديقي"في مجال الدراسات الفلسفية المعمّقة، بحيث يصبح عندهم منطقية"ضد الضد"في مطابقته للوحدوية و الهوية؛ فهي مناقضة لأي ضد، ما دامت قائمة أولًا على تناقض مع أيِّ تصور؛ فوحدة العقلين اليوناني والغربي؛ هي المقدمة التي يبني عليها أركون وغيره نقدَ العقل الإسلامي."

وتنبثق من هذه المقدمة نظرية جديدة للعقل، تقوم على تحطيم الرؤية اليونانية التي كانت تأخذ بالمطابقة التامة بين قوانين العقل وقوانين الطبيعة ( [91] ) ، وفي ذلك ـ برأيهم ـ تغييب للعقل الإسلامي الذي ما هو إلا عقل مقلِّد للعقل اليوناني ( [92] ) .

ومن ثم يمهِّد هؤلاء إلى إقامة الحداثة على الثورة الغاليلية، أي: كما يشير فوكو إلى المرحلة الثانية من الانقطاعات التاريخية الكبرى في القرن السابع عشر الميلادي ( [93] ) .

وبذلك يحصر أركون وغيره الإنتاج العقلي الإسلامي في المنظومات الفقهية؛ التي يعتبرونها كما رأينا من خلال النص باعتبار الشرع أو باعتبار التاريخ: إنتاجًا دوغمائيًا مناقضًا للمرحلة الأولى من تاريخية الإسلام.

وهم إذ يفعلون ذلك؛ فإنما يقفزون على مرحلة من أهم مراحل الفكر الإسلامي، أين شهد احتكاكًا كبيرًا بكثير من الفلسفات الخارجية وكان التأسيس لميلاد مدارس عديدة؛ صار الخلاف بينها مقصورًا بشكل أساسي حول"نظرية"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت