الصفحة 19 من 32

"موسى والتوحيد"أو على كتاب"المدراش" ( [78] ) ؛ فبعد تفكيك البنية الداخلية لهذا الأرشيف عثر على ما يشبه الدليل الملموس على التشويه الذي يُلحِقه القراء المتأخّرون بالتراث الديني خاصة ( [79] ) .

4ـ إن فكرة التلاقي والاكتمال ثابتة من خلال العرض التاريخي الكرونولوجي الطبقي لتاريخ تدوين القرآن الكريم؛ فالوحدة العضوية جلية من خلال منطق الكلي الذي يجسّده القرآن الكريم؛ ونرى أن مبدأ المنفصل وأوليته، ساقطان؛ بدليل التتابع والتراكم المعرفي، وصور ذلك كما يلي:

أـ إذا أخذنا بعين الاعتبار تطوّر النص المتحرك والثابت؛ فإن البداية تكون في سنة نزول القرآن الكريم، سنة (611م) ، وآخر العلوم استفادة من اللغة القرآنية والتشكيل الثقافي والمعرفي والعقائدي الجديد، هو علم مصطلح الحديث الذي أُسِّس على يد ابن الصلاح الشهرزوري (ت 643) ؛ أي: في القرنين السادس والسابع للهجرة؛ ويعني ذلك أن التتابع والتطور تواصل لمدة ستة قرون كاملة، لم يحدث أي توقّف أو انقطاع، ودائمًا من خلال اندراج الجزئي في الكلي؛ فالنحوية انبنت على النمط الجديد لكثير من القواعد اللغوية القرآنية، والتقنين والاستنباط الفقهي ارتكز على هذه النحوية، وتأسيس النظم وعلوم البلاغة اُستُمدّ من هذه النحوية أيضًا، وكمال اصطلاح الحديث روعي فيه التقسيم الأصولي للدلالات القرآنية، وكذلك لصحة أو شذوذ القراءات القرآنية، فصورة التلاقي والاكتمال بيِّنة وظاهرة ولم تعد من الخرافات كما أراد أركون أن يصوّرها من خلال جزئيات تاريخية محرّفة.

ب ـ إن استنطاق الأنساق و الذاتيات والعلاقات القائمة بين الطبقات صعودًا وهبوطًا، يُظهر المنطق العلمي البحت في التأسيس المعرفي لكثير من العلوم الشرعية، أما استغلال المفاهيم العلمية وعدم التقيّد بالضوابط الأصولية من طرف رجل السلطة أو العامة، لا يبرّر أبدًا الخروج عن هذه العلوم وضوابطها؛ لأن ذلك يعني مصادمة المقاصد العامة للتشريع والانفلات من روح القرآن الكريم ويؤدي إلى تغييب الأصل وتحكيم الذاتية، وهذا ما لا يقبله المنطق العلمي الصحيح.

ج ـ إن إثبات صحة السند التاريخي للقرآن الكريم، يبدأ من خلال التكوين الصحيح لمجموعات منسّقة ومنسجمة من الأحداث ووثائقها؛ منغلقة أو مفتوحة؛ بحيث تقوم قراءتها على منطق الارتباط العضوي ومقابلة العناصر والجزئيات إلى أصولها، والربط بينها؛ ومن خلال العرض المختصر والسرد التصاعدي للأحداث؛ اكتشفنا التمايز الذي يتميز به سند القرآن الكريم عن غيره من الكتب المقدّسة، وتكفي العودة إلى هذا الرد وتفاصيله في المصادر لاثبات حجية هذا الادعاء، في مقابل تهافت المنطق الأركوني لوضوح الدافع الإيديولوجي و التحريفي وراءه.

د ـ إن منطلق أركون الذي اشترط له جملة شروط معرفية؛ لم يطبّقه أو يستطع إنجازه، من ذلك أنه اشترط الإحاطة بالعلوم الإسلامية الأصلية وإشكالياتها؛ لكن مستواه دون ذلك بكثير؛ بل لم يستطع هضم القواعد الإعرابية البسيطة، فكيف يكون المشروع التاريخاني ناجحًا وذا مصداقية إذا كان المنطلق بهذا الشكل.

ويمكن القول نفسه في إدراك حقيقة العقل الإسلامي، فأركون سار مع التيار الذي يُرجِع ما يصطلحون عليه"بتنازع الحقيقة"إلى الإرث العروشي أو القبلي لهذه العقول؛ وذلك تزييف للحقيقة؛ لأن لكل موضوع خلافه؛ فالعقل الفقهي كما رأينا في نظرية الاستدلال يرجع الخلاف فيه إلى الألفاظ ودلالاتها وقد عبّر العقل الكلي في هذا الجنس: بأن الخلاف يأخذ الصبغة القانونية أو الشرعية إذا تحرى المنطق الصحيح للاستدلال.

والعقل الوحيد الذي كان الخلاف فيه مذمومًا؛ هو العقل العقائدي؛ إذا سلمنا بمصطلح (العقل) في هذا التخصص أو

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت