مستندين كما أشرنا إلى روايات عديدة أوردها الطبري عند تفسيره للآية (176) من النساء أيضًا؛ حيث نقل في عدد منها أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: (ثلاث لأن يكون النبي صلى الله عليه وسلّم بيّنهنّ لنا، أحبّ إليَّ من الدنيا وما فيها: الكلالة، والخلافة، وأبواب من الربا) ( [70] ) ؛ فإن رواية من بين هذه الروايات تدل على الأمر بجلاء؛ وهي رواية عن عمر في آية الكلالة؛ عندما ردّ عليه الرسول صلى الله عليه وسلم بعد أن ضرب على صدره وقال: (يكفيك منها آية الصيف التي أنزلت في آخر سورة"النساء") ( [71] ) .
يقول أركون: (هكذا نجد أن معنى كلمة كلالة لم يُحسَم حتى بعد كل تحريات"بورز"الفِلولوجية وفرضياته، وفي مثل هذه الحالة نجد أن التبحُّر الفلولوجي قد صدم الوعي الإيماني بشكل مجاني، وذلك عن طريق حلوله التي تظل هشَّة جدًا؛ ولهذا السبب يقوم برد فعل عنيف، كما سيفعل حتمًا ضد هذه التحريات الفلولوجية وذلك لكي يحمي نفسه ضد هذه الاعتداءات الخارجية على سياجه العقائدي والدوغماتي المغلق) ( [72] ) .
وهذا الادّعاء الباطل من أركون والمغلّف بالعبارات الترهيبية باسم"الفلولوجيا"وغيرها، يدل على عجز وقصور كبيرين في مراجعة أبسط القواميس اللغوية وكذلك الاطلاع على آراء الفقهاء في المسألة بعد عرض المفسِّرين لهذه الروايات من باب الجمع وليس الاستنباط؛ فمسألة الكلالة من أوضح مسائل المواريث كونها محدّدة بنص قطعي من القرآن الكريم، والعرب على سليقتهم كانوا يدركون دلالتها؛ فإذا رجعنا إلى بعض مصادر الفقه الإسلامي مثلًا، ك"بداية المجتهد"لابن رشد، فإنه ينقل الإجماع في مقصود الآية (12) من النساء على أنهم الإخوة لأم فقط، وقد نقل قراءة: {وله أخ أو أخت من أمِّه} ( [73] ) وكذلك أجمعوا على أن الكلالة هي: فقد الأصناف الأربعة من النسب: وهم (الآباء، والأجداد، والبنين، وبني البنين) ( [74] ) .
أما ما اختلف فيه، وهذا ما أراد أن يتحراه عمر بن الخطاب حسب أغلب الظن؛ فهي مسائل فرعية؛ كميراث الإخوة لأب والأم مع البنت أو البنات، فذهب الجمهور إلى أنهن عصبته يعطون ما فضل عن البنات، وذهب الظاهرية وطائفة إلى: أن الأخت لا ترث مع البنت شيئًا، وعمدة الجمهور السنة، لحديث ابن مسعود عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال في ابنة وابنة ابن وأخت: (إن للبنت النصف، ولابنة الابن السدس تكملة الثلثين، وما بقى للأخت) ( [75] ) ، وأيضًا من جهة النظر: لما أجمعوا على توريث الإخوة مع البنات، فكذلك الأخوات ( [76] ) .
والشاهد في الكلام أن الدراسة المتأنية سواء الفلولوجية للفظ (كلل) أو الشرعية التاريخية، تظهر جلاء مسألة الكلالة؛ وابتعاد أركون و"بورز"عن محل النزاع؛ لكونهما رتّبَا غموض الكلالة على التصرّف في إعراب كلمة"امرأة"أولًا، ثم في دعواهم بتحريف الفقهاء للقراءة لاعتماد ميراث ذي نزعة عروشية (جاهلية) تخدم السلطة القائمة ( [77] ) .
وكل ذلك من قبيل الخرافات الساقطة التي لا يؤيدها دليل من تاريخ أو تفسير أو لغة، وإنما أردنا الوقوف باختصار مع هذا النموذج التاريخي الفلولوجي الأركوني، لندرك عمق الجهل، والتحريف، والإرهاب العلمي الذي يمارسه هؤلاء في حق التراث، وفي حق النص، بطرق لا تصلح للدراسات التمهيدية.
فمنطق الانفصال أو الانقطاع التاريخي ساقط بالحجة التاريخية، وتفكيك مراحل تطور تدوين القرآن والقراءات والتشريع غير مستند إلى أي حجة عملية على الأقل من جنس الحجج المنهجية والسيميائية التي كان يتمسك بها دريدا في تفكيكه للأرشيف التاريخي لعدة شخصيات محورية؛ كما رأينا ذلك مع الأرشيف الفرويدي، وعمله النقدي على كتاب