الصفحة 17 من 32

والانقطاع بين مرحلة النبوة (أي: النص) ، والمراحل الأخرى (القانون الفقهي) ، حيث يعتبر أن الفقهاء والمفسِّرين أرادوا تجاوز النص وبعث الجاهلي، لمصالح فئوية وشعوبية وسلطوية.

ولقد رجعت مباشرة إلى"جامع البيان"للطبري، ولمصادر عديدة أخرى في التفسير ( [63] ) ، ولقواميس اللغة ومصادر النحو والإعراب ( [64] ) فهالني ما وقفت عليه؛ بعد ملاحظتي الجهل التام بالقواعد والإعراب الذي يتّصف به أركون وأستاذه"دافيد بورز"؛فمن خلال الطبري نَخلُص إلى النتائج الآتية:

1ـ الطبري توفي سنة (110هـ) ، بينما القراءات القرآنية ظهرت في عهد الصحابة، فكانت تُنسب إلى كبارهم، منها ما هو متواتر، ومنها ما هو شاذ، والشاذ لا يُعتمَد؛ لمنافاته شروط الصحة والقَبول، فتعددت القراءات بحسب النقل والرسم واللغة، وقد اختار عبد الله بن مجاهد سبع قراءات متواترة ( [65] ) ، وأضاف إليها ابن الجزري ثلاثًا أخرى ( [66] ) ، لتصبح القراءات القرآنية المتواترة المشهورة: عشر قراءات؛ نظَمَها العديد من مشاهير القُراء وعلماء القرآن في منظومات بديعة.

ولا أكرّر ما جاء سابقًا في تاريخ القراءات القرآنية، وفي كيفية اعتمادها؛ بل يكفي أن نقف عند آية الميراث عند هؤلاء القراء، فقد نقل الطبري نفسه أن عامة أهل الإسلام يقرأون: {وإن كان رجلٌ يورَثُ كلالةً} أي: وإن كان رجل يورَث متكلِّلَ النسب؛ فالكلالة على هذا القول مصدر من قولهم: تكَلَّله النسب تكَلُّلًا وكلالة؛ بمعنى: تعطَّف عليه النسب، وقرأه بعضهم: {وإن كان رجلٌ يورِث كلالةً} بمعنى: وإن كان رجلٌ يورِثُ مَن يتكلّله؛ مَن يتعطَّف عليه بنسبة؛ من أخٍ أو أخت ( [67] ) . ثم يستعرض معنى الكلالة عند أهل اللغة والتأويل؛ وتكاد الروايات تتفق على أنه ما خلا الوالد والولد؛ بغض النظر عن توقف رسول الله صلى الله عليه وسلّم في إجابة عمر عن سؤاله عن دلالة الكلالة ( [68] ) .

ـ أمّا الطبري فليس له دخل بهذا العلم إلا من جهة التقليد والنقل الصحيح، ومعروف أنه كرّس تفسيره لجمع العدد الأكبر من الوجوه التفسيرية واللغوية بطريق الأثر أو النقل المحض، ليترك للفقهاء والأصوليين عمليات الجمع والبناء والاستنباط ( [69] ) .

والطبري بهذا المنهج؛ لم ينقل ولم يشر إلى أيّ قراءة أو حتى تفسير أو قول مأثور ينصب لفظ (امرأة) ؛ لأن الصبي في الكتّاب يُدرك بأنها معطوف على (رجل) ، والغريب أن هذا التركيب البياني الجميل؛ يستصعبه أركون (المفرنس) ؛ قياسًا له على الفرنسية التي تستثقل مثل هذه التراكيب، أي: أن تجعل الفاعلَ أو نائبَه متأخِّرًا عن المفعول؛ بينما يعتبر ذلك في العربية من حسن البيان، وعادة ما يصحبه سرٌّ ومعنى، و السّر في تأخير (المرأة) كما يذكر المفسِّرون: أنّ من شأن العرب إذا قدّمت ذكرَ اسمين قبل الخبر؛ فعطفت أحدهما على الآخر بـ (و) ،ثم أتتْ بالخبر أضافت الخبر إليها أحيانًا، وأحيانًا إلى أحدهما: وإذا أضافت إلى أحدهما كان سواء عندها إضافة ذلك إلى أي الاسمين الذين ذكرتهما إضافته.

وكذلك جرت العادة أن تقترن المواريث بالرجل، ومن ثَمّ أصوله وفروعه: الأب والجد وإن عَلا، والابن وابن الابن وإن سفل، فلو اقتصر على"الرجل"؛ لكان شبهة إلحاق المرأة به ضعيفة عن البعض، مع أن العرب تطلق"الرجل"أحيانًا وتريد به الجنسين، فكان ذِكر المرأة معطوفًا ومتأخِّرًا للتأكيد وحسن التخريج من ناحية المسائل الأغلبية.

أمّا عن قراءة (امرأة) بالنصب، فلم ينقل أحد ذلك من أئمة القراءات والتفسير، لبداهة موقعها الإعرابي في النظم.

وإذا عدنا إلى كلمة (كلالة) مرة أخرى؛ وهي الكلمة التي تمسّك بها"بورز"و"أركون"بدعوى عدم وضوح دلالتها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت