الصفحة 16 من 32

الفقهية عبر التاريخ عن صفتها الشرعية (المقدّسة) إلى أحكام عادية دنيوية؛ كان لحظ النفس والهوى فيها أكبر نصيب ( [57] ) .

وبدل العودة إلى الأصول والمصادر، يعتمد أركون على باحث أمريكي مغمور؛ و غير ملم باللغة العربية، ولا بقواعد تحقيق النصوص، في صيغة السند أو صيغة الاستنباط (المتن) ؛ حيث قام بعرض الآية على مجموعة من العوام المسلمين ليقرأونها عن ظهر قلب (لاحظ التعبير العامي) ؛ ويصل"بورز"كما يقتنع بذلك أركون، إلى أن هؤلاء العوام يقرأون الآية كما هي في القرآن (وكأن هناك قرآنا آخر) وبنفس الإعراب والحركات ( [58] ) ؛ يقول أركون: (ومن المعروف أن هذه القراءة هي التي كانت قد اعتمدت بعد طول نقاش من قبل التفسير الكلاسيكي، ثم فُرضت في المصحف الرسمي منذ الطبري على الأقل) ( [59] ) ، ثم يمضي في التأكيد على أن أولئك الذين لا يعتمدون الأداء (أي: الحفظ أو الشفاهية) ويخضعون للكفاءة القواعدية واللغوية العربية، يختارون دائمًا القراءات الأخرى التي استبعدها التفسير الأرثوذكسي ( [60] ) .

وبعد مقدمة ترهيبية عن طغيان المفسّرين والفقهاء على شكل ومضمون الآية نتيجة إرث تاريخي، يركّز على المشاكل أو الخلافات التي يدّعي أن الطبري ذكرها، وتخص الفعلين (يُورِث) و (يُوصي) : فهما حسبه؛ مقروءان بشكل مبني للمجهول أو للمعلوم، وعندئذ تصبح كلمة (امرأة) مفعولًا به مباشرًا (لاحظ الجهل الكبير بالإعراب) تمامًا مثل كلمة كلالة؛ وعندئذ تصبح القراءة معاكسة تمامًا للقراءة الواردة في القرآن (يقصد أداء) ؛ أي: تصبح كتابة: (وإنْ كان رجلٌُ يورِثُ كلالةً أو امرأةً) ، ويدّعى القول بأنها: (القراءة الطبيعية المناسبة للفطرة العربية والذوق العربي السليم، والملكة اللغوية أو الكفاءة اللغوية للناطقين بالعربية(بحسب المعنى الألسني لكلمة الكفاءة اللغوية) أما القراءة التي فرضت في القرآن من قبل الفقهاء؛ فهي صعبة جدًا وملتوية وعسرة على الذوق العربي؛ وقد احتاجت إلى الكثير من الشروحات والتخريجات القواعدية واللغوية، واضطرت الفقهاء والمفسّرين إلى اللجوء لمعالجات وتأويلات معقدة وملتسة) ( [61] ) .

ويصل بعد هذا التفكيك التاريخي واللفظي إلى جملة نتائج من بينها ( [62] ) :

1ـ أن الطبري ينتصر للقراءة التي في مصلحته؛ دون أن يذكر النتائج والانعكاسات السلبية المترتبة على حذف غيرها؛ خاصة القراءة التي يُفضّلها العدد الأكبر!!.

ومن ثم ينتقل ودون إنذار إلى الإجماع، حيث يعتبر أركون موقف الطبري امتدادًا للأرثوذكسية التي تهتم بالجانب العددي في الإجماع دون أن تكلِّْف نفسها عناء تقييم الرهانات الثيولوجية والقانونية والاجتماعية والاقتصادية المترتبة على حذف قراءة معينة؛ تبدو أكثر صحة ومنطقية من الناحية اللغوية والقواعدية.

2ـ إن السيرورة التاريخية (أو العملية التاريخية) التي أدّت إلى تشكّل الأغلبية، وصلابة مواقع السيادات أو السلطات التي تدعّمها، بالقياس إلى تشكّل الأقلية المسفهة وضعف مواقعها؛ لم تتعرض لأية دراسة نقدية ترتفع إلى مستوى الرهان الأوّلي لكل مشكلة، ويقصد بالرهان الأوّلي: تركيب الصيغة اللغوية الصحيحة لكلام الله؛ وسوف نرى أن انتهازية المشرّعين تصبح أكثر وضوحًا عندما يتنطّعون لتعيين الآيات الناسخة والمنسوخة.

وبلغة درامية وبتحريفية قلّ مثيلها، يبتر النصوص ويقلب أكثر القواعد الإعرابية بداهة، ويقلد باحثا مغمورًا من أمريكا ليس له أدنى باع في مجال التفسير والرواية واللغة العربية؛ ليصل إلى نتيجة كانت راسخة ودفينة في ذهنه؛ وهي الانفصال

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت