المسالك الرمزية، حتى تلك الضاربة في القدم، تلك الرمزيات التي قامت على أعمال التجزئة والتقنية ومناهج الإعداد لغزو العلائم المنبِّهة؛ قامت بقلبها طوال تاريخ عريض وصعب، والتي لازالت تشكل لنا اليوم سواء شئنا أم أبَينا تلك المنطقة عصية الانفتاح لنا من وعينا، وسيتحدث هؤلاء بوساطة الرموز أكثر مما بوساطة الإشارات) ( [53] ) .
و الأصل أن الباحث الموضوعي يجب أن يعرف أن عملية الاجتهاد في الإسلام لها خصوصيتها العلمية والموضوعية؛ من حيث تعلقها بتحقيق المناط؛ ويعني هذا الكلام أن يكون المجتهد مُلمًا وعارفًا من الجهة التي ينظر فيها؛ لأن المقصود هو العلم بالموضوع على ما هو عليه، كي يتحقق تناسق المعنى مع سياق النص؛ فالمحدّث العارف بأحوال الأسانيد وطرقها، وصحيحها من سقيمها، وما يحتج به من متونها مما لا يحتج به، لا يعتبر اجتهاده إلا فيما هو عارف به، كان عالمًا بالعربية أم لا، وعارفًا بمقاصد الشارع أم لا، وكذلك القارئ في تأدية وجوه القراءات، والصانع في معرفة عيوب الصناعات ( [54] ) .... إلخ.
ويمكن أن نفرّع على ما سبق: مسألة اختصاص القراءة، وكفاءة القارئ، في موضوع تبيّن النص وتأويله واستنطاقه. فقراءة (نص) ثبت أنه مقدّس؛ وأصبحت إرادة إدراك معانيه إرادة لمعرفة مقصود الشارع، ينبغي أن تتحقق فيها المعرفة بمقاصد المقروء، فالقراءة التي تروم الإمساك بدلالات الألفاظ الشرعية، يلزم فيها العلم بمقاصد هذا المناط من الوجه الذي يتعلق به المعنى، لا من وجه غيره ( [55] ) ، ولذلك لا مجال لنمو النص انعكاسًا لنمو ذهن القارئ كما يتخيل دعاة القراءة المعاصرة ( [56] ) ؛ فالنص كائن حي؛ صحيح؛ لكنه ثابت بثبات معانيه التي لا تُستَكنه إلا بقراءة مناسبة ومستوفية لآليات التنزيل الصحيح.
لكن أركون وأبو زيد و من تابعهما من الحداثيين، يصرون على استخدام آليات أخرى في الاجتهاد أو القراءة المفتوحة التي يدّعون؛ إذ يصرون بداية على تقطيع ما يسمونه بمراحل تشكّل النص؛ لإبراز ما يسميه أركون التناقض والانقطاع بين عهد النبوة والعهود اللاحقة، وما يؤديه ذلك إلى القول بتطور القرآن طبقًا لحاجة الناس، فما الكتابة التي فرضها الإمام"عثمان"إلا موقفًا من المواقف التي أريد بها تطويع النص لمصلحة السلطة؛ لأن الشفاهية تعيق مثل هذه الأمور، بينما تنفتح الكتابية لمجازات وتأويلات متعددة، يسيطر فيها النسق الاجتماعي أو السلطوي على المضمون السابق للنص.
ولتبيان عظمة التحريف والتلاعب بالمصطلحات والمناهج والألفاظ؛ نستعرض بعض النماذج القرائية أو الاجتهادية التي اهتم بها هؤلاء. ولنقف مثلا مع بعض القضايا والأحكام الفقهية.
في سبيل إثبات تهمة زمنية النص وبشرية الأحكام الشرعية؛ يجرّنا أركون إلى بعض المراحل التاريخية المتأخرة، وكيف استطاع الفقهاء والقراء، إقصاء القراءة الشائعة لآية الميراث لحساب منظورهم القضائي، وروى أقوالا؛ سوف يرى القرّاء العجب العجاب في جهل أمثال هؤلاء النقاد وفظاعة تحريفهم لقضايا جد واضحة وقطعية.
يرجع أركون إلى الآية (12) من سورة النساء وهي قوله تعالى: {وإن كان رجلٌ يورَثُ كلالةً أو امرأةٌ، وله أخٌ أو أختٌ، فلكلِّ واحد منهما السدس، فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث، من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار، وصية من الله، والله عليم حكيم} [النساء، الآية 12] ، ويبتدئ من الجزء الثاني للآية؛ حيث يزعم أنه يجد فيها المشاكل الأكثر صحة وملاءمة لتوضيح ضرورة الانتقال من مرحلة الاجتهاد (يعني القراءة) ، إلى مرحلة نقد العقل الإسلامي في شكله التاريخي، وذلك بتفكيك مراحله وإظهار هذه المشاكل المتناقضة التي تُعجِّل بتبني رؤيته في ضرورة إخراج الأحكام