الصفحة 13 من 32

و من ثم فعلى الإنسان أن يتخلق بأخلاق الطبيعة؛ فلا رحمة، ولا مشاركة، ولا ثبات؛ قال هتلر:"يجب أن نكون مثل الطبيعة، والطبيعة لا تعرف الرحمة أو الشفقة". كما أنه ينتفي الجوهر الإنساني المتمثّل في: (الحياة، الضمير، الروح) ؛ويكون بدله مجموعة عمليات كيميائية؛ يتم فيها التلاعب بالجزئيات؛ ويتحوّل الإنسان إلى"حيوان كامل خاضع لقوانين التطور والطبيعة"؛ فلا يختار ولا يقرّر؛ فكل شيء قد تم اختياره وتقريره له، وهو لا يحمل أية أعباء أخلاقية؛ بل يتصرّف بشكل آلي حسب طبيعته؛ وطبيعته لا خير فيها ولا شر ولا أسئلة كبرى.

2 -الفردية:

ومن المفاهيم المؤسّسة لقيم الحداثة؛ مفهوم الفردية؛ والذي يعني الحرية المطلقة في التعبير عن الذات في شتى مجالات الحياة؛ بحيث يبتعد عن الأنماط والتقاليد والمحاكاة والروابط الاجتماعية والأخلاقية.

ويُطلَق على هذه الفردية المتضخمة:"النزعة الجنينية"الراغبة في فقدان الذات والوجود والممتزجة بصفات الكائنات الطبيعية ذات التوجه البهيمي.

فصحيح ما يقال عن ضرورة تلك العلاقة الخاصة بين الإنسان وموضوعاته التي ما انفكّت تتجدّد في طور الحداثة؛ حيث الأوهام الناعمة والأساطير المؤسسة لليوتوبيا التكنولوجية، والمطامح المتزلّجة؛ إلاّ أن الإنسان تاه وسط هذا الركام؛ وأصبح نتاج علاقات اجتماعية جد سريعة ومتغيرة؛ بحيث ضل كثير من الناس طريقهم؛ مما نتج عنه انعكاسات كارثية على الإنسان والوجود؛ تجسّدت في شعور مستمر بالقلق والتوتر العميقين، وخوف أبدي من انحلال عرى الحياة الاجتماعية إلى فوضى لا حدّ لها، وأحداث القتل الغامضة وفصول العنف الدموي المجاني؛ وبذلك تحوّل هذا النمط من الحياة إلى ملهاة تراجيدية يتحكّم فيها المجانين والأوغاد. وما ولادة"تيار الحنين"في الغرب ( [48] ) ؛والذي يرغب بشدّة في العودة إلى طبيعة الإنسان الأصلية؛ ما يسمى ب:"الإنسان الإنسان"؛إلاّ مظهر من مظاهر خواء الحداثة.

3 -السيولة والانفصال عن القيمة:

يرجع مفهوم الانفصال عن القيمة إلى ما يسمى بـ (أخلاق الصيرورة) ( [49] ) ؛حيث انبناء الواقع على العلم والتكنولوجيا والعقل كآليات وحيدة؛ مع تجاهل البعد الإنساني والمعرفي (الكلي والنهائي) ، ولذلك فالأخلاق ليست مجموعة من المبادئ المتجاوزة لرغبات الفرد ومصلحته الشخصية، والتي يلتزم بها الإنسان؛ وإنما هي مجموعة من الإجراءات التي يتفق عليها أعضاء مجتمع ما.

و وطبقا لكل ما سبق ولد مصطلح"السيولة"؛والذي يعني سقوط الإنسان في الميوعة وقابلية التشكّل وفق جميع المتطلّبات؛ فاستحق أن يكون إنسانا سائلا في مقابل الإنسان الصلب المقاوم لرغباته ونزواته والحريص على مبادئه؛ إلى أن يصل إلى لحظة التحقق النماذجية؛ حين يصير مع أشباهه مجتمعا نسقا آليا نمطيا خاضعا للحسابات الكمية؛ يشبّهها المسيري بعالم"كافكا وبكيت"حيث يجد الأفراد أنفسهم داخل متاهة من الأوامر التي تأتيهم من مصادر مجهولة لا يعرفونها؛ يتردد صداها داخل قفص حديدي مطبق لا إنساني؛ وهذه المصادر لا تؤمن إلاّ بنمذجة هؤلاء

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت