المعقدة؟) ( [41] ) .
فغياب المعنى والذات يقابله نسف عملية القراءة والقارئ؛ وبما أن المؤلف قد تم نعيه ولحق النص به، فما الذي يبقى للنظرية، ربما شعر رواد الحداثة بما شعر به الناقد"بلانشو" ( [42] ) ومدرسة جنيف من نسبة هذا التأجيل للمعنى وعدم تحققه إلى الحضور"الغريب الذي شعر به المرء في أثناء القراءة ( [43] ) . يفسر"وليام راي"في"المعنى الأدبي"ذلك بتردد القارئ المستمر في اتخاذ قرار غلق النص، وينقل عن الناقد"آيسر": (لا يمكن للجشتالط(الذات القارئة) أن يخلق إلاّ إذا اختار القارئ احتمالًا واحدًا واستثنى الاحتمالات الأخرى) ( [44] ) ، ويعلّق راي: (بيد أن تلاحم القارئ لا يمكن أن يكون كاملًا أبدًا؛ لأنه خاضع للتنقيح حين تعود إلى الظهور الاحتمالات التي نبذت وتبدو كأنها اختيارات صالحة) ( [45] ) .فالحدّ غائب والمفهوم مغيّب؛ وهذا الفضاء المفتوح كيف يعمل، وكيف تتفاعل داخلة النصوص في وحدة إيديولوجية ولمَنْ فضْلُ هذه الوحدة؟ لا نرى إجابات في مؤلفات هؤلاء النقاد، بل يصرّح دريدا بأن النص ما هو إلا نسيج علامات له عدّة أعمارأو كما قال بار ت: ماهو إلا نسيج لقيمات ( [46] ) ؛أي: إن هذا النسيج يؤدي دلالات مختلفة في أزمان مختلفة، فالانتماء التاريخي لنص ما لا يكون أبدًا بخط مستقيم، بل هو مجموعة من الاقتباسات والإحالات والأصداءمن اللغات الثقافية السابقة أوالمعاصرة التي تخترقه بكامله. كما أنه لا يملك مرجعًا واحدًا أو أبًا"
واحدًا بل يشير دائمًا إلى"غيبة الأب"مما يعطى الشرعية بجرأة غير معهودة للَّقيط" ( [47] ) . وهكذا غاب في هذا الفضاء"الأب أو الأصل"والمتلقي أوالقارئ والوظيفة والمواقف والسياقات والمقامات والمضمون والمقاصد وكيفية عمل الدلالة، وعلاقات الإشارات والسميائيات داخل النص وكيفية الربط والانفكاك."
وإلى هذا الحد من الغموض وصل"مفهوم النص"في المنظومة الحداثية، ولا إجابة على هذا الإشكال المعرفي لدى الحداثيين سوى بجعل هذا الغموض موجبًا.
ولعل أبرز ما طبع الحداثة من سلبيات في أعين نقادها؛ مايلي:
1 -الطبيعة المتحركة:
ويقصد بهذا المفهوم أن الطبيعة نظام يتحرك؛ بلا هدف أو غاية؛ نظام واحدي مغلق مكتف بذاته، يتجاوز مركزية الإنسان؛ وترتد إليه كل الظواهر مهما بلغ تنوعها، وهذا المبدأ كامن في الطبيعة ذاتها؛ لذلك فالواحدية هي الأصل في هذا العالم.
وقد توجّه الطرح الحداثي إلى وحدة الوجود المادية (الحلولية الكمونية المادية) ؛حيث يتم فيها الاستغناء تماما عن أية لغة روحية أو مثالية؛ ويخضع الوجود للمبدأ الواحد؛ ألا وهو"قوانين الطبيعة"، أو"القوانين العلمية"،أو"قوانين الحركة"؛وهو قانون شامل يمكن تفسير كل الظواهر - ومن بينها الظاهرة الإنسانية- من خلاله. ويبدو لأول وهلة تقاطع هذا الطرح مع مسلمات الماركسية؛ لكن يمكن رد ذلك بكون الماركسية ثلاثية الأضلاع وبعيدة عن عقيدة الوحدة. ولكن بالمقابل يمكن اعتبارها قريبة من الطروحات الداروينية؛ حيث لا تفرقة بين الإنسان و الطبيعة؛ فهما مادة واحدة نسبية لا قداسة لها؛ خاضعة للمقاييس الكمية والطفرات الرياضية.