وبعد استعراض الشوكاني لأقوال العلماء خلص إلى أن التردد (( كناية عن محبة الله لعبده المؤمن أن يأتي بسبب من الأسباب الموجبة لخلوصه من المرض الذي وقع فيه حتى يطول به عمره من دعاء أو صلة رحم أو صدقة، فإن فعل مد له في عمره بما يشاء وتقضيه حكمه، وإن لم يفعل حتى جاء أجله وحضره الموت: مات بأجله الذي قد قضى عليه إذا لم يتسبب بسبب يترتب عليه الفسحة له في عمره مع أنه وإن فعل ما يوجب التأخير والخلوص من الأجل الأول: فهو لابد من الموت بعد انقضاء تلك المدة التي وهبها الله سبحانه له ) )فكان هذا التردد معناه: انتظار ما يأتي به العبد مما يقتضي تأخير الأجل أولا يأتي فيموت بالأجل الأول. (1)
الفناء الصوفي ووحدة الوجود
وقد وجد بعض الصوفية في هذا الحديث (( كنت سمعه الذي يسمع به ) )بغيتهم ووافق عندهم ما استقوه من ينابيع النيرفانا الهندية ونظرية الفيض والإشراق الأفلاطونية. والتي مفادها أن العبد لا يزال يذكر الله حتى يفنى عن نفسه وهو ما يسمونه بمقام الفناء والمحو.. حتى يشهد بأن الذاكر والمذكور صارا شيئًا واحدا، وأن الله هو الذاكر لنفسه الموحد لنفسه، المحب لنفسه (2) .
وقد تصدى ابن تيمية لهؤلاء في غالب فتاويه، ورد مزاعمهم بأن هذا الحديث يثبت سائلا ومسئولا لقوله (( ولئن سألني لأعطينه ) )كما أثبت ثلاثة: أثبت نفسه ووليه ومعادي وليه (3) فالسائل غير المعطي ويستحيل أن يكون الولي ومعادي الولي شخصا واحدا، أو أن يكون المدافع عن الولي ومحارب الولي شيئا واحدا.
ولهذا كان حاصل الولاية عندهم (( تحقيق الفناء في الذات.. فأولها التمكن من الفناء ونهايتها تحقيق البقاء(4) .
ولاية حتى الفناء
(1) قطر الولي 515.
(2) أنظر ما قاله الحافظ في الفتح 11: 344.
(3) أنظر الفتاوى 12: 34.
(4) معراج التشوق 35 لأبن عجيبة.