وحتى عند النزع الأخير لم يكن الإمام أحمد بن حنبل يأمن على نفسه من الفتنة وسؤ الخاتمة، يروي ذلك ابنه عبدالله فيقول: (( حضرت أبي الوفاة فجلست عنده وبيدي الخرقة وهو في النزع الأشد فكان يغرق حتى نظن أن قد مضى ثم يفيق ويقول: (( لا بعد لا. بعد(يشير بيده) ففعل هذا مرة وثانية فلما كان في الثالثة قلت له: (( يا أبت ايش هذا الذي قد لهجت به في هذا الوقت؟ فقال لي: يا بني ما تدري فقلت: لا. فقال إبليس لعنه الله قام بحذائي عاضا على أنامله يقول فتني يا أحمد. وأنا أقول لا. بعد حتى أموت ) ) (1) . ونظائر ذلك مستفيضة من السلف الصالح، فلم يعرف عن أحد منهم ركونه إلى كشف أو مخاطبة بإعطاء الأمان الأبدي على الوجه الذي أدعاه الصوفية أمثال الشعراني الذي زعم أن مما من الله به عليه على حد قوله (( علمي بسعادتي وشقاوتي وذلك بتخلقي بالصفات التي نهاني الحق عنها وهذه من أكبر نعم الله علي لأنها بشرى من الله لعبده ) ) (2) .
وعلى افتراض جواز كشف بذلك فليس مما يجب التصديق العام به، فان كثيرا مما يظن به أنه حصل له هذا الكشف يكون ظنا في ذلك ظنا لا يغني من الحق شيئا. وأهل المكاشفات والمخاطبات يصيبون تارة ويخطئون أخرى ولهذا وجب عليهم جميعهم أن يعتصموا بكتاب الله وسنة رسوله. ولو كان يأتيه من الله ما لا يحتاج إلى عرضه على الكتاب لكان مستغنيا عن الرسول في بعض دينه )) (3) .
أما عن مسألة الشهادة لمن شاع له لسان صدق وولاية في الأمة وبحسن العاقبة فهل يشهد له؟ يمكن ذلك بشرط لا يكون قطعا وجزما بخلاف من ثبتت ولايته بالنص فإن أهل السنة يشهدون له بذلك قطعا. وأشترط شرطا آخر للشهادة وهو أن يكون قد شاع له لسان صدق في الأمة بحيث اتفقت على الثناء عليه (4) .
الولي والعصمة عند أهل السنة
(1) الحلية 9: 183.
(2) لطائف المنن 620).
(3) مجموعة الرسائل 1: 53.
(4) دقائق التفسير 3: 221 مجموعة الرسائل والمسائل 1: 52.