وقد يجتمع في المرء إيمان وعمل صالح من وجه وفسق من وجه آخر، فلا يقتضي وجود الثاني ذهاب الأول، كما في قصة شارب الخمر الذي كان يؤتى به دائما إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيحد من شرب الخمر، وفي مرة أتي به وأقيم عليه الحد فقال رجل من القوم (( اللهم العنه، ما أكثر ما يؤتى به، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تلعنوه، فوالله ما علمت إنه يحب الله ورسوله ) ) (1) وفي رواية: (( فقال القوم: أخزاك الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تقولوا هكذا، لا تعينوا عليه الشيطان؛ ولكن قولوا، اللهم ارحمه اللهم تب عليه ) ) (2) وفي رواية: (( لا تكونوا عون الشيطان على أخيكم ) ) (3) (( فوصفه بأنه أخ لهم مع شربه للخمر، وأثبت له محبة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وكان من حبه للنبي صلى الله عليه وسلم أنه كان لا يدخل طرفة المدينة إلا اشترى منها شيئا ولو بالدين ليهديه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ) ) (4) والله لا يحب الخمر ولا شاربها لكن إن اجتمع في العبد صلاح وفسق فيحب الله فيه الصلاح ويبغض الفسق منه. ومثاله قوله صلى الله عليه وسلم (( سباب المسلم فسوق وقتاله كفر ) ) (5) فوصفه بأنه (( مسلم ) )وأن فيه فسقا وكفرا ليس على معنى كفر الردة. فإن الردة مخرجة عن الإسلام. وإنما الكفر الوارد هنا كناية عن إنكار المقاتل حق أخيه المسلم عليه من حرمة ماله ودمه أو أن تكون كفرا غير مخرج من الملة كما أثر عن ابن عباس (( كفر دون كفر ) ) (6)
(1) أخرجه البخاري في الحدود 8: 13 باب ما يكره من لعن شارب خمر وأبو داود رقم (4477) والبيهقي 8: 312.
(2) رواه أحمد 2: 300.
(3) فتح الباري 11: 67.
(4) نفس المصدر 11: 77.
(5) أخرجه البخاري في الفتن باب قول النبي (( لا ترجعوا بعدي كفارا ) )وفي الأدب ما ينهى من السباب واللعن ومسلم رقم (64) في الإيمان والنسائي 7: 122 ورواه البيهقي 8: 20 وأحمد 1: 385.
(6) تفسير الدر المنثور 2: 286، تفسير الطبري المجلد الرابع 6: 165- 166، والبغوي 2: 41- 40.