الصفحة 50 من 163

والحكمة مظهر الحمد، والتوحيد متضمن لنهاية الحكمة، وكمال النعمة، ولا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، فبالقدر والحكمة ظهر خلقه وشرعه المبين، (أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) (الأعراف 52 ) ) . [1]

أهمية عقيدة القضاء والقدر

يعتبر موضوع القضاء والقدر من المواضيع المهمة لتعلقه بحياة الإنسان، فما من إنسان يعيش في هذه الحياة، ويسير في مناكبها على أي ديانة كان، وفي أي اتجاه اتجه في حياته العملية أو العقدية أو غيرها؛ إلا وقضية القضاء والقدر عنده من القضايا التي تشغل باله في كل وقت.

وقد دل الكتاب العزيز والسنة الصحيحة وإجماع سلف الأمة على وجوب الإيمان بالقدر خيره وشره، وأنه من أصول الإيمان الستة، التي لا يتم إسلام العبد ولا إيمانه إلا بها، كما دلت على ذلك آيات من القرآن الكريم وأحاديث صحيحة مستفيضة بل متواترة عن الرسول الأمين عليه من ربه أفضل الصلاة والتسليم.

ومن ذلك قوله عز وجل: (أَلَمْ تَعْلَمْ أَن اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) (الحج 70) ، وقوله تعالى: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) (الحديد 22) ، وقال تعالى: (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ) (القمر 49) .

وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سأله جبرائيل عليه السلام عن الإيمان، قال عليه الصلاة والسلام: (أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتابه، ولقائه، ورسله، وتؤمن بالبعث، وتؤمن بالقدر كله) . قال: صدقت، الحديث. وهذا لفظ مسلم. [2] وخرج مسلم في صحيحه من حديث أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن جبرائيل عليه السلام سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان فأجابه بقوله: (أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره) ، فقال له جبرائيل: صدقت. [3] والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.) [4]

منزلة القضاء والقدر في عقيدة المؤمن

لا شك أن القضاء والقدر أحد أركان الإيمان الستة، التي بينها رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لجبريل حين سأله عن الإيمان؛ (أن تؤمن بالله وملائكته وكتابه ورسله وتؤمن بالبعث الآخر وتؤمن بالقدر كله) . [5]

ولذلك يعتبر الإيمان به جزء من عقيدة المؤمن، ولا يصح إيمانه إلا بالإيمان بالقضاء والقدر.

وقال العلماء الافاضل: إن مبحث القضاء والقدر داخل في باب توحيد الربوبية؛ لأن القضاء والقدر فعل الله تعالى، وإذا كان فعلًا لله فهو صفة من صفاته [6] ، ولذلك هو متعلق بتوحيد الربوبية، فالعلم والكتابة والإرادة والمشيئة والخلق من فعل الرب سبحانه وتعالى، وما كان فعلًا لله فهو صفة من صفاته، وباب الأسماء

(1) شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل / العلامة محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى 751 هـ) ، دار المعرفة، بيروت، لبنان، الطبعة 1398 هـ/1978 م، ص 2.

(2) رواه أحمد (2/ 426) والبخاري (1/ 153/50) ومسلم (1/ 39/9) والنسائي (8/ 475 - 476/ 5006) وابن ماجه (1/ 25/64) . وأخرجه أبو داود (5/ 74/4698) مختصرا.

(3) رواه أحمد (1/ 27) ومسلم (1/ 36 - 38/ 8) وأبو داود (5/ 69 - 73/ 4695) والترمذي (5/ 8 - 9/ 2610) والنسائي (8/ 472 - 475/ 5005) وابن ماجه (1/ 24 - 25/ 63) .

(4) موسوعة مواقف السلف في العقيدة والمنهج والتربية (أكثر من 9000 موقف لأكثر من 1000 عالم على مدى 15 قرنًا) / أبو سهل محمد بن عبد الرحمن المغراوي، المكتبة الإسلامية للنشر والتوزيع، القاهرة -مصر، النبلاء للكتاب، مراكش - المغرب، الطبعة الأولى. 10/ 360 - 361. قلت: وتخريج الأحاديث كما وردت في المصدر.

(5) رواه البخاري ومسلم واللفظ له. وانظر الحديث: 1873 في صحيح الترغيب والترهيب / الشيخ محمد ناصر الدين الألباني (المتوفى 1420 هـ) مكتبة المعارف - الرياض، الطبعة الخامسة.

(6) قلت: أي: الفعلية، لأن صفات الله تعالى، صفات ذاتية وصفات فعلية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت