أو بمعنى آخر: نثبت لله ثلاث أنواع للفوقية (علو مطلق) :
-فوقية القهر (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ) (الأَنعام 18) .
-فوقية القدر والمكانة والمنزلة (وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ) (سبأ 23) .
-فوقية الذات (أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ) (الملك 16) .
(قال الله تعالى:(إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا ? لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا) (مريم 93 - 94) ، فهذا خضوع في النهاية، وأيضًا خضوع الربوبية في كل العباد، وكذلك كل العباد لا يستطيعون رد قضاء الله وقدره جل في علاه، فإنه لو أمرض الكافر، أو أراد موت الكافر، نفذ أمره جل في علاه، وهذا من باب علو القهر على عباده جل في علاه). [1]
توحيد الربوبية وعلاقته بإثبات الاستواء على عرشه
من اللوازم الضرورية للإيمان بتوحيد الربوبية إفراد الله بالملك وإثبات الاستواء والفوقية، لأن إفراد الله بالخلق وتدبير الأمر، وتقديره للرزق يرتبط ارتباطا قويا بصفة الاستواء على العرش.
فإن توحيد الربوبية قائم على ركنيين اثنين: أحدهما إفراد الله بالخلق والقدرة والتقدير، والثاني إفراده بالحكمة والتدبير كما قال: (أَلا لهُ الخَلقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ العَالمِين) (الأعراف 24) ، (اللهُ خَالقُ كُل شَيْءٍ وَهُوَ عَلى كُل شَيْءٍ وَكِيل ٌ) (الزمر 62) ، (سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلى الذِي خَلقَ فَسَوَّى وَالذِي قَدَّرَ فَهَدَى) (الأعلى 1 - 3) .
فإذا كان توحيد الربوبية يقوم على إفراد الله بالخلق والتدبير، فإن كثيرا من معاني الربوبية ترتبط بهذين الركنين وتترتب عليهما، ومن أبرز هذه اللوازم المرتبطة بتوحيد الربوبية إفراد الله بالملك والاستواء والفوقية.
ولا يبلغ العبد درجة التوحيد إلا إذا خلع عن نفسه رداء الربوبية واكتسى بثوب العبودية، فعلم واعتقد أنه عبد في ملك سيده مستخلف في أرضه أمين على ملكه، قد ابتلاه فيما أعطاه، وامتحنه فيما خوله واسترعاه. [2]
ومن هنا تعرف أهمية اعتقاد أن الله عز وجل منفرد في ملكه، مستو على عرشه، بائنٌ من خلقه عالم بأحوالهم ومتصرف فيهم من فوق عرشه، وبه يعرف عظم الربوبية وفضلها.
قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ? إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ? وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ) (فاطر 15 - 17) .
قول الناس: الآدمي جبار ضعيف
قول الناس: الآدمي جبار ضعيف أو فلان جبار ضعيف؛ فإن ضعفه يعود إلى ضعف قواه من قوة العلم والقدرة، وأما تجبره فإنه يعود إلى اعتقاداته وإراداته، أما اعتقاده فأن يتوهم في نفسه أنه أمر عظيم فوق ما هو ولا يكون ذلك، وهذا هو الاختيال والخيلاء والمخيلة وهو أن يتخيل عن نفسه ما لا حقيقة له. ومما يوجب ذلك مدحه بالباطل نظما ونثرا وطلبه للمدح الباطل فإنه يورث هذا الاختيال. وأما الإرادة فإرادة أن يتعظم ويعظم وهو إرادة العلو في الأرض والفخر على الناس وهو أن يريد من العلو ما لا يصلح له أن يريده وهو الرئاسة والسلطان حتى يبلغ به الأمر إلى مزاحمة الربوبية كفرعون ومزاحمة النبوة وهذا موجود في جنس العلماء والعباد والأمراء وغيرهم. [3]
(1) شرح كتاب لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد / الشيخ محمد حسن عبد الغفار - الدرس التاسع. المصدر: دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية - http://www.islamweb.net
(2) باختصار من دورة منة القدير بميت الرخا غربية - مصر / المحاضرة السابعة. عنوان المحاضرة: (توحيد الربوبية وعلاقته بإثبات الاستواء على عرشه) - الدكتور محمود الرضواني، وانظر كتاب سهل للدكتور الرضواني / الفقر الذاتي والغنى الذاتي. دار العقيدة المصرية، www.alridwany.com.
(3) مجموع الفتاوى / شيخ الاسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (المتوفى 728 هـ) ، تحقيق عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية -المملكة العربية السعودية، عام النشر 1416 هـ/1995 م، 14/ 219.