قال صلى الله عليه واله وسلم: (إن إبليس يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة يجيء أحدهم فيقول: فعلت كذا وكذا فيقول: ما صنعت شيئا ويجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين أهله فيدنيه منه ويقول: نعم أنت!) . [1]
وقال: (إنّ إبليس! يضعُ عرشهُ على الماءِ(وفي طريق: البحر) ، ثم يبعثُ سراياهُ؛ فأدناهُم منه منزلةُ أعظمُهم فتنةً، يجيءُ أحدُهم فيقولُ: فعلتُ كذا وكذا، فيقولُ: ما صنعتَ شيئًا، ثمَّ يجيءُ أحدُهم فيقولُ: ما تركتُه حتى فرّقتُ بينهُ وبين امرأتهِ، فيُدنِيه منه ويقولُ: نِعم أنت! قال الأعمش: أراه قال: فيلتزِمُه). [2]
وعن أبي سعيد، قال: لقيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر في بعض طرق المدينة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أتشهد أني رسول الله؟) ، فقال هو: أتشهد أني رسول الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (آمنت بالله، وملائكته، وكتبه، ما ترى؟) ، قال: أرى عرشا على الماء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ترى عرش إبليس على البحر، وما ترى؟) ، قال: أرى صادقين وكاذبا، أو كاذبين وصادقا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لبس عليه، دعوه) . [3] وفي رواية: عن جابر بن عبد الله، قال: لقي نبي الله صلى الله عليه وسلم ابن صائد، ومعه أبو بكر، وعمر، وابن صائد مع الغلمان، فذكر نحوه. [4]
المبحث الثامن: آثار توحيد الربوبية وثمراته
للإيمان بالربوبية آثار عظيمة، وثمرات كثيرة، فإذا أيقن المؤمن أن له ربًّا خالقًا هو الله تبارك وتعالى وأن هذا الرب هو رب كلِّ شيءٍ ومليكُه وهو مصرف الأمور، وأنه هو القاهر فوق عباده، وأنه لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات والأرض، أَنِسَت رُوحُه بالله، واطمأنت نفسه بذكره، ولم تزلزله الأعاصير والفتن، وتوجه إلى ربه بالدعاء، والالتجاء، والاستعاذة، وكان دائمًا خائفًا من تقصيره، وذنبه؛ لأنه يعلم قدرة ربه عليه، ووقوعه تحت قهره وسلطانه، فتحصل له بذلك التقوى، والتقوى رأس الأمر، بل هي غاية الوجود الإنساني.
ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: (ذاق طعم الإيمان من رضي الله ربًَّا وبالإسلام دينًا، وبمحمدٍ رسولًا) . [5]
ومن ثمراته أن الإنسان إذا علم أن الله هو الرزاق، وآمن بذلك، وأيقن أن الله بيده خزائن السماوات والأرض، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، قطع الطمع من المخلوقين، واستغنى عما بأيديهم، وانبعث إلى إفراد الله بالدعاء والإرادة والقصد.
ثم إذا علم أن الله هو المحيي المميت، النافع الضار، وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأن أمره كلَّه بيد الله انبعث إلى الإقدام والشجاعة غير هياب، وتحرر من رق المخلوقين، ولم يعد في قلبه خوف من سوى الله عز وجل.
وهكذا نجد أن توحيد الربوبية مستلزم لتوحيد الألوهية.
والكلام في مقتضيات الربوبية وما تثمره من ثمرات يفوق الحصر والعد، وما مضى إنما هو إشارات عابرة يقاس عليها غيرُها. [6]
(1) رواه الامام احمد في المسند والامام مسلم في صحيحه عن جابر. وقال الشيخ الألباني: (صحيح) . وانظر الحديث رقم / 1526 في صحيح الجامع.
(2) قال الشيخ الالباني في السلسلة الصحيحة/ 3261: أخرجه مسلم (8/ 138) ، وأحمد (3/ 314) ، وعبد بن حميد في المنتخب (3/ 20/1031) .
(3) رواه الامام مسلم في صحيحه/7453 - (87 - 2925) .
(4) رواه الامام مسلم في صحيحه/7454 - (88 - 2926) .
(5) قلت: رواه الامام احمد في المسند والامام مسلم في صحيحه والترمذي عن العباس بن عبد المطلب. وصححه الشيخ الألباني. وانظر الحديث رقم /3425 في صحيح الجامع.
ورواه الامام ابن حبان في صحيحه: (ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم نبيًا) ، وصححه الشيخ الالباني في التعليقات الحسان/1692.
(6) توحيد الرُّبوبية / الشيخ محمد بن إبراهيم الحمد، نسخة الكترونية من المكتبة الشاملة الاصدار 3.43.