الصفحة 45 من 98

عقلا وشرعا ولغة وفطرة، وهو يقابل إلحاد المشركين، فإن أولئك أعطوا أسماءه وصفاته لآلهتهم، وهؤلاء سلبوه صفات كماله وجحدوها وعطلوها، فكلاهما ملحد في أسمائه.

ثم الجهمية وفروخهم متفاوتون في هذا الإلحاد؛ فمنهم الغالي والمتوسط والمنكوب. وكل من جحد شيئا عما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم؛ فقد ألحد في ذلك، فليستقل أو ليستكثر.

وخامسها: تشبيه صفاته بصفات خلقه، تعالى الله عما يقول المشبهون علوا كبيرا.

فهذا الإلحاد في مقابلة إلحاد المعطلة، فإن أولئك نفوا صفة كماله وجحدوها، وهؤلاء شبهوها بصفات خلقه، فجمعهم الإلحاد وتفرقت بهم طرقه، وبرَّأ الله أتباع رسوله صلى الله عليه وسلم وورثته القائمين بسنته عن ذلك كله، فلم يصفوه إلا بما وصف به نفسه، ولم يجحدوا صفاته ولم يشبهوها بصفات خلقه، ولم يعدلوا بها عما أنزلت عليه لفظا ولا معنى، بل أثبتوا له الأسماء والصفات ونفوا عنه مشابهة المخلوقات؛ فكان إثباتهم بريئا من التشبيه، وتنزيههم خليا من التعطيل، لا كمن شبه حتى كأنه يعبد صنما، أو عطل حتى كأنه لا يعبد إلا عدما.

وأهل السنة وسط في النحل، كما أن أهل الإسلام وسط في الملل، توقد مصابيح معارفهم من: {مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ} ، (النّور/ 35) ، فنسأل الله تعالى أن يهدينا لنوره ويسهل لنا السبيل إلى الوصول إلى مرضاته ومتابعة رسوله، إنه قريب مجيب. [1]

(فهذه عشرون فائدة مضافة إلى القاعدة التي بدأنا بها في أقسام ما يوصف به الرب تبارك وتعالى، فعليك بمعرفتها ومراعاتها، ثم اشرح الأسماء الحسنى إن وجدت قلبا عاقلا ولسانا قائلا ومحلا قابلا؛ وإلا فالسكوت أولى بك، فجناب الربوبية أجل وأعز مما يخطر بالبال أو يعبر عنه المقال:(وفوق كل ذي علم عليم) (يوسف/76) حتى ينتهي العلم إلى من أحاط بكل شيء علما.

وعسى الله أن يعين بفضله على تعليق (شرح الأسماء الحسنى) [2] مراعيا فيه أحكام القواعد بريئا من الإلحاد في أسمائه وتعطيل صفاته، فهو المان بفضله، والله ذو الفضل العظيم.) [3]

قلت: وإضافة لما تقدم

يجب مراعات الضوابط والفوائد التالية في تتبع وإحصاء الأسماء الحسنى:

1 / (الله سبحانه وتعالى، لا تضرب له الأمثال التي فيها مماثلة لخلقه، فإن الله لا مثل له، بل له المثل الأعلى، فلا يجوز أن يشترك هو والمخلوق في قياس تمثيل، ولا في قياس شمول تستوي أفراده، ولكن يستعمل في حقه المثل الأعلى، وهو أن كل ما اتصف به المخلوق من كمال، فالخالق أولى به، وكل ما تنزه عنه المخلوق من نقص، فالخالق أولى بالتنزيه عنه، فإذا كان المخلوق منزّهًا عن مماثلة المخلوق مع الموافقة في الاسم، فالخالق أولى أن يُنزه عن مماثلة المخلوق وإن حصلت موافقة في الاسم) [4]

(1) بدائع الفوائد / 1/ 297 - 299.

(2) قال الشيخ عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر في (فائدة جليلة في قواعد الأسماء الحسنى) ص 50: (وقد تحقق هذا لابن القيم رحمه الله، فقد ذكر ابن رجب وغيره ضمن مؤلفات ابن القيم كتاب - شرح الأسماء الحسنى - وكان مع هذا له عنايةٌ فائقةٌ في كثير من مصنفاته شرح أسماء الله الحسنى وبيان معانيها ومدلولاتها وقد جمع الشيخ الفاضل بكر أبو زيد حفظه الله أبحاث ابن القيم في الأسماء الحسنى من كتبه المطبوعة ورتبها مع ذكر مصادرها في كتابه التقريب لعلوم ابن القيم) .

(3) بدائع الفوائد / ص 299 - 300، وبهذا ختم العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى كلامه عن الفائدة الجليلة (ما يجري صفة أو خبرا على الرب تبارك وتعالى) من بدائع الفوائد - 1/ 284 - 300.

(4) شرح الرسالة التدمرية للشيخ عبد الرحمن البراك - ص 165.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت