نفسه بالمتكلم، لأن الأسماء كما وصفها الله عز وجل: (وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى) (الأعراف/180) ، ليس فيها أي شيء من النقص، ولهذا جاءت باسم التفضيل المطلق.) [1]
التاسع عشر: أن من أسمائه الحسنى ما يكون دالا على عِدة صفات، ويكون ذلك الإسم متناولا لجميعها تناولَ الإسم الدال على الصفة الواحدة لها كما تقدم بيانه، كاسمه: العظيم والمجيد والصمد، وكما قال ابن عباس فيما رواه عنه ابن أبي حاتم في (تفسيره) [2] (الصمد: السيد الذي قد كمُل في سؤدده [3] ، والشريف: الذي قد كمُل في شرفه، والعظيم: الذي قد كمُل في عظمته، والحليم الذي قد كمُل في حلمه، والعليم الذي قد كمُل في علمه، والحكيم الذي قد كمُل في حكمته، وهو الذي قد كمُل في أنواع شرفه وسؤدده، وهو الله سبحانه وتعالى. هذه صفته لا تنبغي إلا له، ليس له كفوا أحد، وليس كمثله شيء، سبحان الله الواحد القهار) هذا لفظه.
وهذا مما خَفي على كثير ممن تعاطى الكلام في تفسير الأسماء الحسنى، ففسر الإسم بدون معناه، ونقصه من حيث لا يعلم، فمن لم يُحِط بهذا علما بَخَس الإسم الأعظم حقه وهضمه معناه، فتدبره. [4]
العشرون: وهي الجامعة لما تقدم من الوجوه، وهي معرفة الإلحاد في أسمائه حتى لا يقع فيه، قال تعالى: ... (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (الأعراف /180) والإلحاد في أسمائه هو: العدول بها وبحقائقها ومعانيها عن الحق الثابت لها، وهو مأخوذ من الميل كما يدل عليه مادته (ل ح د) . فمنه: اللحد، وهو الشق في جانب القبر الذي قد مال عن الوسط. ومنه: الملحد في الدين المائل عن الحق إلى الباطل.
قال ابن السِّكيت: الملحد المائل عن الحق المُدْخل فيه ما ليس منه. ومنه الملتَحَد، وهو مفتعل من ذلك، وقوله تعالى: (ولن تجد من دونه ملتحدا) (الكهف / 27) أي: مَن تَعْدِل إليه وتهرب إليه وتلتجئ إليه وتميل إليه عن غيره. تقول العرب: التحد فلان إلى فلان إذا عَدَلَ إليه.
إذا عُرِف هذا فالإلحاد في أسمائه تبارك وتعالى أنواع:
أحدها: أن يسمى الأصنام بها كتسميتهم اللات من الإلهية، والعزى من العزيز، وتسميتهم الصنم إلها، وهذا إلحاد حقيقة فإنهم عدلوا بأسمائه إلى أوثانهم وآلهتهم الباطلة.
الثاني: تسميته بما لا يليق بجلاله كتسمية النصارى له: أبا، وتسمية الفلاسفة له: موجبا بذاته، أو علة فاعلة بالطبع، ونحو ذلك.
وثالثها: وصفه بما يتعالى عنه ويتقدس من النقائص، كقول أخبث اليهود: إنه فقير. وقولهم: إنه استراح بعد أن خلق خلقه. وقولهم: (يد الله مغلولة) (المائدة /64) ، وأمثال ذلك مما هو إلحاد في أسمائه وصفاته.
ورابعها: تعطيل الأسماء عن معانيها وجحد حقائقها، كقول من يقول من الجهمية وأتباعهم: إنها ألفاظ مجردة لا تتضمن صفات ولا معاني، فيطلقون عليه اسم: السميع والبصير والحي والرحيم والمتكلم والمريد، ويقولون: لا حياة له ولا سمع ولا بصر ولا كلام ولا إرادة تقوم به، وهذا من أعظم الإلحاد فيها
(1) شرح العقيدة الواسطية / الشيخ ابن عثيمين - 1/ 142 - 144.
(2) تفسير ابن أبي حاتم / تفسير سورة الإخلاص، 10/ 3474.
(3) قال الشيخ الالباني في ظلال الجنه في تخريج السنة للحافظ أبى بكر عمرو بن أبي عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني / 666 ... (ثنا محمد بن علي بن حسن بن شفيق ثنا أبي ثنا الحسين بن واقد ثنا عاصم بن بهدلة عن شفيق عن عبدالله بن مسعود قال: الصمد: السيد الذي انتهى سؤدده، إسناده حسن رجاله كلهم ثقات من رجال"التهذيب"على ضعف يسير في عاصم بن بهدلة) و 672 (ثنا ابن نمير حدثنا وكيع وابن إدريس عن الأعمش عن أبي وائل قال الصمد الذي قد انتهى سؤدده، إسناده صحيح مقطوع أيضا رجاله ثقات رجال الشيخين) .
(4) بدائع الفوائد - 1/ 296 - 297.