القدر المميز في موضعها لزم أن يكون حقيقة في الخالق، وهذا قول عامة العقلاء، وهو الصواب، وإن فرقتم بين بعض الألفاظ وبعض، وقعتم في التناقض والتحكم المحض) ?ھ. [1]
قلت: إعلم ان للصفة ثلاث اعتبارات:
1/ اعتبار للصفة من حيث هي بقطع النظر عن اضافتها الى الرب أو العبد، أو بمعنى آخر الوصف عند التجرد من الاضافة، مثل السمع، البصر، العلم. فلازم الصفة عند الاطلاق إثبات ما تدل عليه من معنى، فالسمع إدراك المسموعات، والبصر رؤية المبصرات.
2/ اعتبار الصفة من حيث إضافتها الى الرب عز وجل، سمع الله، بصر الله، علم الله تبارك وتعالى. فإذا أضيف السمع الى الله تعالى فهو ادراك المسموعات، وإذا أضيف البصر الى الله تعالى فهو رؤية المبصرات، وكل صفة تضاف الى الله تعالى فاضافتها على وجه مختص به لائق بجلاله وكماله سبحانه وتعالى.
3/ اعتبار الصفة من حيث إضافتها الى العبد، سمع العبد، بصر العبد، علم العبد. فإذا أضيف السمع الى العبد فهو ادراك المسموعات، وإذا أضيف البصر الى العبد فهو رؤية المبصرات، وكل صفة تضاف الى العبد صارت مختصة به لائقة بضعفه وفقره.
فهذه الاعتبارات الثلاثة للصفة، وكل إعتبار له ما يقتضيه من لوازم، دون خلط فيها.
الخامس عشر: أن الصفة متى قامت بموصوف لزمها أمور أربعة: أمران لفظيان وأمران معنويان.
فاللفظيان: ثبوتي وسلبي، فالثبوتي: أن يشتق للموصوف منها اسم، والسلبي: أن يمتنع الاشتقاق لغيره.
والمعنويان: ثبوتي وسلبي، فالثبوتي: أن يعود حكمها إلى الموصوف ويخبر بها عنه، والسلبي: أن لا يعود حكمها إلى غيره، ولا يكون خبرا عنه.
وهذه قاعدة عظيمة في معرفة الأسماء والصفات، فلنذكر من ذلك مثالا واحدا وهي: صفة الكلام، فإنها إذا قامت بمحل كان هو المتكلم دون من لم تقم به، وأخبر عنه بها، وعاد حكمها إليه دون غيره، فيقال: قال وأمر ونهى ونادى وناجى وأخبر وخاطب وتكلم وكلم، ونحو ذلك، وامتنعت هذه الأحكام لغيره، فيستدل بهذه الأحكام والأسماء على قيام الصفة به وسلبها عن غيره وعلى عدم قيامها به، وهذا هو أصل السنة الذي ردوا به على المعتزلة والجهمية، وهو من أصح الأصول طردا وعكسا. [2]
قلت: الصفة اذا قامت بموصوف لزمها أمور أربع: أمران لفظيان (ثبوتي وسلبي) ، وأمران معنويان (ثبوتي وسلبي) .
مثال ذلك: العلم صفة، إذا أضيفت إلى الله، قلنا: علم الله تعالى، والإضافة تقتضي التخصيص، فلزم من ذلك أمور أربعة: أمران يتعلقان باللفظ، وأمران يتعلقان بالمعنى، وكل منهما ثبوتي وسلبي.
اللفظ الثبوتي: أن يشتق للموصوف منه اسم، فنقول: الله عليم، والمعنى الثبوتي يعود حكمها إلى الموصوف ويخبر بها عنه، فنقول: الله سبحانه وتعالى يعلم، يعلم ما كان وما سيكون وما لم يكن لو كان كيف يكون، فنثبت الاسم العليم ونثبت الحكم.
فهذان أمران ثبوتيان نثبتهما: أحدهما يتعلق باللفظ فنثبت منه اسمًا، والآخر يتعلق بالمعنى، فنثبت منه حكم. وأما الأمران السلبيان فأحدهما يتعلق باللفظ، والآخر يتعلق بالمعنى، الذي يتعلق باللفظ السلبي وهو أن يمتنع إشتقاق اسمًا لغيره من الصفة التي قامت به، فلا يقال فلان عليم وزيد عليم.
أما الذي يتعلق بالمعنى السلبي وهو أن لا يعود حكمها إلى غيره، وإنما حكمها يعود له سبحانه، فمثلا العلم
(1) مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة / تأليف: ابن قيم الجوزية (المتوفى: 751 هـ) ، اختصره: محمد بن محمد بن عبد الكريم بن رضوان البعلي شمس الدين، ابن الموصلي (المتوفى: 774 هـ) ، المحقق: سيد إبراهيم، الناشر: دار الحديث، القاهرة - مصر، الطبعة الأولى، 1422 هـ - 2001 م / ص 309.
(2) بدائع الفوائد - 1 / ص 292 - 293. قلت: راجع في هذه القاعدة شرح العقيدة الأصفهانية لابن تيمية.