الصفحة 38 من 98

وسمّى نفسه بالعزيز، فقال: (الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ) ، وسمّى بعض عباده بالعزيز، فقال: (قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ) وليس العزيز كالعزيز.

وسمّى نفسه الجبار المتكبر، وسمّى بعض خلقه بالجبار المتكبر، فقال: (كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ) وليس الجبار كالجبار، ولا المتكبر كالمتكبر.

ونظائر هذا متعددة.) [1]

الرابع عشر: أن الإسم والصفة من هذا النوع له ثلاث اعتبارات:

اعتبار من حيث هو، مع قطع النظر عن تقييده بالرب أو العبد.

الاعتبار الثاني: اعتباره مضافا إلى الرب مختصا به.

الثالث: اعتباره مضافا إلى العبد مقيدا به.

فما لزم الإسم لذاته وحقيقته، كان ثابتا للرب والعبد، وللرب منه ما يليق بكماله، وللعبد منه ما يليق به.

وهذا كاسم السميع الذي يلزمه إدراك المسموعات، والبصير الذي يلزمه رؤية المُبْصَرات، والعليم والقدير وسائر الأسماء، فإن شرط صحة إطلاقها: حصول معانيها وحقائقها للموصوف بها.

فما لزم هذه الأسماء لذاتها؛ فإثباته للرب تعالى لا محذور فيه بوجه، بل تثبت له على وجه لا يماثل فيه خلقه ولا يشابههم، فمن نفاه عنه لإطلاقه على المخلوق ألحد في أسمائه وجحد صفات كماله. ومن أثبته له على وجه يماثل فيه خلقه فقد شبهه بخلقه، ومن شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن أثبته له على وجه لا يماثل فيه خلقه، بل كما يليق بجلاله وعظمته؛ فقد بريء من فَرْث التشبيه ودَمِ التعطيل وهذا طريق أهل السنة.

وما لزم الصفة لإضافتها إلى العبد وجب نفيه عن الله، كما يلزم حياة العبد من النوم والسِّنة والحاجة إلى الغذاء ونحو ذلك. وكذلك ما يلزم إرادته من حركة نفسه في جلب ما ينتفع به ودفع ما يتضرر به. وكذلك ما يلزم علوه من احتياجه إلى ما هو عال عليه، وكونه محمولا به مفتقرا إليه محاطا به، كل هذا يجب نفيه عن القدوس السلام تبارك وتعالى.

وما لزم صفة من جهة اختصاصه تعالى بها؛ فإنه لا يثبت للمخلوق بوجه، كعلمه الذي يلزمه القدم والوجوب والإحاطة بكل معلوم، وقدرته وإرادته وسائر صفاته، فإن ما يختص به منها لا يمكن إثباته للمخلوق، فإذا أحطت بهذه القاعدة خُبْرًا وعقلتها كما ينبغي خلصت من الآفتين اللتين هما أصل بلاء المتكلمين: آفة التعطيل، وآفة التشبيه، فإنك إذا وفيت هذا المقام حقه من التصور أثبت لله الأسماء الحسنى والصفات العلى حقيقة، فخلصت من التعطيل، ونفيت عنها خصائص المخلوقين ومشابهتهم، فخلصت من التشبيه، فتدبر هذا الموضع واجعله جُنَّتك التي ترجع إليها في هذا الباب، والله الموفق للصواب. [2]

قال ابن القيم: (أن هذه الألفاظ التي تستعمل في حق الخالق والمخلوق لها ثلاث اعتبارات:

أحدها: أن تكون مقيدة بالخالق، كسمع الله وبصره ووجهه ويديه واستوائه، ونزوله وعلمه وقدرته وحياته، الثاني: أن تكون مقيدة بالمخلوق كيد الإنسان ووجهه ويديه واستوائه،

الثالث: أن تجرد عن كلا الإضافتين وتوجد مطلقة، فإثباتكم لها حقيقة، إما أن يكون بالاعتبار الأول أو الثاني أو الثالث، إذ لا رابع هناك، فإن جعلتم جهة كونها حقيقة تقيدها بالخالق لزم أن تكون في المخلوق مجازا، وهذا مذهب قد صار إليه أبو العباس الناشي ووافقه عليه جماعة، وإن جعلتم جهة كونها حقيقة تقيدها بالمخلوق لزم أن تكون في الخالق مجازا، وهذا مذهب قد صار إليه إمام المعطلة جهم بن صفوان، ودرج أصحابه على أثره، وإن جعلتم جهة كونها حقيقة القدر المشترك، ولم يدخل

(1) التدمرية - تحقيق الإثبات للأسماء والصفات وحقيقة الجمع بين القدر والشرع / ص 20 - 24، تحقيق: د. محمد بن عودة السعوي، مكتبة العبيكان - الرياض، الطبعة السادسة 1421 هـ / 2000 م

(2) بدائع الفوائد - 1 / ص 290 - 292.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت