... فمن الأدلة: حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه - في الصحيحين قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (( لله أشد فرحًا بتوبة عبده حين يتوب من أحدكم كان على راحلته بأرضٍ فلاة... ) )إلى أن قال: (( اللهم أنت عبدي وأنا ربك ) )ففي هذا الحديث لابد من التفريق بين أمرين: بين الفعل والفاعل ، فأما الفعل فهو كفر ولاشك إذ فيه تعبيد الرب وتربيب العبد ، وهذا كفر ، لكن هل كفر الفاعل ؟ الجواب: لا لم يكفر لوجود مانعٍ وهو شدة الفرح التي أغلقت على عقله فلم يعرف معنى ما يقول ، فلو كان هناك تلازم ذاتي بين الفعل والفاعل لكفر ذلك الرجل ، لكن ليس كل من قال الكفر أو فعله حكم عليه بمقتضاه وهذا واضح ، فالفعل في الحديث له حكم والفاعل له حكم آخر ، والله أعلم .
... ومنها: أن معاذًا - رضي الله عنه - لما قدم من الشام سجد بين يدي النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال - عليه الصلاة والسلام -: (( ما هذا يا معاذ ) )؟ قال: أتيت الشام فوافقتهم يسجدون لأساقفتهم وبطارقتهم فوددت في نفسي أن نفعل ذلك بك . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (( فلا تفعلوا فإني لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحدٍ لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها ) )رواه ابن ماجه والحاكم والبيهقي وفيه مقال ، لكن على فرض صحته فإنه متوافق مع الأصول لا مخالف لها ، فعندنا فعل وفاعل ، فأما الفعل فهو السجود لغير الله تعالى ، وهذا كفر لا يختلف فيه أحد من أهل العلم ، وأما الفاعل الذي هو معاذ فحاشاه أن ينطبق عليه حكم فعله ، ولذلك لم يحكم النبي - صلى الله عليه وسلم - عليه بمقتضى فعله ، بل عذره لأنه جاهل بالحكم ، ففرق - صلى الله عليه وسلم - بين الفعل والفاعل ، فأما الفعل فأنكره بقوله: (( فلا تفعلوا ) )وأما الفاعل فتثبت فيه وقال: (( ما هذا يا معاذ ) )؟ فيا ليت أهل زماننا يفقهون هذا الأدب ولا يستعجلون في أمر جعل الله فيه سعة .