... وبيان ذلك أن يقال: من المعلومات البديهية الاضطرارية أن هناك فرقًا بين الفعل والفاعل ، فالفعل هو الحدث ، والفاعل هو المحدث للحدث ، فقولنا: ( أكل محمد ) فهنا فعل وفاعل ، فالفعل هو الأكل ، والفاعل هو محمد ، وإن من السفسطة في العقليات أن تقول: الفعل هو الفاعل ، أي أن الأكل هو محمد ، ومحمد هو الأكل وأن الحدث هو المحدث ، والمحدث هو الحدث ، وهذا لا أظنه يصدر إلا ممن سقط عنه التكليف لآفةٍ في عقله ، بل لا أظن المجنون يقول هذا ، ولذلك فرق النحاة بين الفعل والفاعل ، وكذلك علماء الشريعة أيضًا فرقوا بين الفعل والفاعل ، بحيث قد يوصف الفعل بأوصافٍ لا تتعداه إلى فاعله ، بل لا يجوز وصف الفاعل بها ، وقبل الدخول في الأدلة أذكر أولًا القاعدة المقررة عند أهل السنة والجماعة في هذا الباب ، وهي قولهم: ليس من فعل الكفر يكفر ، أو البدعة يبدع ، أو الفسق يفسق ، أو المعصية يأثم ، إلا بعد توفر الشروط وانتفاء الموانع ، هذا هو قولهم الذي لا يجوز نسبة غيره إليهم ، فإذا فعل الإنسان كفرًا أو بدعة أو فسقًا فلابد من النظر إلى هذه المسألة باعتبارين:
... الأول: باعتبار الفعل لذاته بِغَضِّ النظر عن فاعله ويعطى هذا الفعل حكمًا يخصه لا يتعداه إلى فاعله ، فالكفر كفر ، والبدعة بدعة ، والفسق فسق ، والمعصية معصية ، فإذا عرفنا حكم الفعل فننظر الاعتبار الثاني وهو الفاعل ، فنسأل أنفسنا: هل ينطبق حكم الفعل على الفاعل ؟ الجواب: لا إلا إذا توفرت شروط انطباقه وانتفت موانعه ، فقد يكون الفعل كفرًا لكن لا يكفر الفاعل لتخلف شرطٍ أو وجود مانع ، وقد يكون الفعل بدعة ، لكن فاعلها لا يبدع لاختلال شرط أو وجود مانع ، وهكذا في الفسق والمعصية ، إذًا لا تلازم بين حكم الفعل وفاعله لذاتهما ، وإنما يتم التعلق بينهما بتوفر شروط معينة وانتفاء موانع معينة ، إذا علم هذا فإليك الأدلة الدالة على صحة ذلك: