... فقال بعضهم: إن مجرد البلوغ كافٍ في قيامها ، فمن بلغه الكتاب والسنة قامت الحجة عليه ، سواءً فهمها أم لم يفهمها ، وأشهر من نقل عنه هذا القول الشيخ الإمام المجدد محمد بن عبدالوهاب وأحفاده وتلاميذه - رحمهم الله تعالى - ، وسوف ترى أن هذا النقل فيه شيء من القصور وسوء الفهم لكلام الشيخ أو أن من نقل عنه ذلك إنما اعتمد على نصٍ واحد من كلام الشيخ وترك بقية نصوصه في هذه المسألة ، وهذا يقع فيه الكثير ، فإن كلام العالم قد يكون مطلقًا في مكان ومقيدًا في مكانٍ آخر ، وعامًا في مكانٍ وخاصًا في موضع آخر ، فإذا أردت أن تنسب لأحدٍ قولًا فلابد أن تقرأ كلامه وتجمعه وتؤلف بينه حتى يتبين لك حقيقة قوله ، وأما أن تنسب إليه القول بمجرد قراءة شيء من نصوصه فهذا عين الخطأ ، فكم من الأقوال التي تنسب لبعض العلماء وهو منها براء ، وكل يحاسبه الله تعالى ، والمراد أن أصحاب هذا القول استدلوا بعدة أدلة:
... الأول: قوله تعالى: { وأوحي إليَّ هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ } ووجه الاستشهاد منه أن الله تعالى أوحى إلى نبيه - صلى الله عليه وسلم - هذا القرآن لينذر به الناس وينذر به من بلغه هذا القرآن فكل من بلغه القرآن فإنه قد قامت عليه النذارة بهذا البلاغ ولم يشترط الفهم وإنما اشترط البلوغ ، فمن اشترط الفهم فإنه يكون بهذا مشترطًا لشيء زائد على ما في القرآن ، فلو كان الفهم شرطًا في قيام الحجة لذكره ، فلما لم يذكره دل على أنه ليس بشيء .