الصفحة 29 من 155

... الثاني: قوله تعالى: { وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرًا } ومعنى { أن يفقهوه } أي حتى لا يفقهوه ، فبين الله سبحانه وتعالى أنهم لم يفهموه فلم يعذرهم لكونهم لم يفهموا ، بل عذبهم على ذلك مع تخلف الفهم فلو كان الفهم شرطًا كقيام الحجة لقالوا: ربنا لقد جعلت على قلوبنا أكنة وجعلت في آذاننا وقرًا فلم نفهم كتابك ولم تعرف مراد كلامك فكيف تعذبنا مع عدم فهمنا ، فلما لم يحتجوا بذلك وعذبهم دل على عدم اشتراط الفهم وإنما الشرط هو البلاغ ، إذ لو كان في عدم فهمهم حجة لهم لما عذبهم ؛ لأنهم لا يستحقون العذاب ، وتعذيب من لا يستحق العذاب ظلم ، والله منزه عن الظلم فلم يبق إلا أن يقال إن الفهم ليس بشرط في قيام الحجة ، وهذا هو المطلوب .

... الثالث: قوله تعالى: { أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلًا } فأخبر - جل وعلا - أنهم لا يسمعون سماع استجابة ولا يعقلون ما يقال لهم وأنهم كالأنعام بجامع عدم الفهم ، بل هم أشد من حال البهائم ، فإذا كانت البهائم لا تسمع ولا تعقل فهؤلاء أشد ، ومع ذلك عذبهم ولم يعذرهم لعدم فهمهم ، مما يدل على أن الفهم ليس بشرط في قيام الحجة وإنما المشترط البلاغ فقط ، والله أعلم .

... الرابع: قوله تعالى عن قوم شعيب: { ما نفقه كثيرًا مما تقول } فأخبروا صراحة أنهم لا يفهمون ما يقول شعيب - عليه السلام - ومع ذلك استحقوا العذاب واللعنة ، فلو كان الفهم شرطًا لقيام الحجة لعذرهم الله تعالى ، فلما لم يعذرهم وعذبهم ، دل على أن الفهم ليس بشرط في قيام الحجة وأن قيامها يكون بالبلوغ فقط ، والله أعلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت