فوجب الحذر منه وعلاجه أن نسلك مسلك الوسطية التي وصفت بها أمتنا في قوله تعالى: { وكذلك جعلناكم أمة وسطًا } ، فهذا هو الحل مع طلب العلم النافع المقرون بالعمل الصالح ، والله يحفظنا وإياك من هذه البلية ويكفي الأمة شرها ، والله أعلم وأعلى .
(10) فائدة
... ويذكرني الكلام على الغلو بقضية مهمة أيضًا وهي أن الشريعة سلكت في مسألة القبور مسلك الوسطية كعادتها في سائر شئونها ومختلف مجالاتها فلا إفراط ولا تفريط ، فنهت عن الجلوس عليها والوطء عليها وأعظم من ذلك قضاء الحاجة عليها ، ونهت عن المشي بينها بالنعال وعن رفع الصوت باللغط وكلام الدنيا عندها ، كل ذلك كرامة لأصحابها .
... وأمرت الشريعة أن يرفع القبر قيد شبر فقط حتى يعرف فلا يهان ، ولا يجوز في شريعتنا قبر اثنين في قبر واحد إلا لضرورة ككثرة الموتى وقلة من يدفنهم ، كل ذلك صيانة لحق الميت ، ولا يجوز الاعتداء عليها بالنبش ؛ لأن الأرض هذه حق لهم وشرعت زيارتهم ، وسنت للزائر السلام عليهم ، وهذا كله من رفع شأن أصحابها ، لكن في الجانب الآخر نهت رفعها أكثر من شبر أي البناء عليها أو تجصيصها أو الكتابة عليها أو الدعاء للنفس عندها أو الذبح لأصحابها أو الطواف على قبورهم وطلب البركة منهم ، أو صرف النذر لهم ؛ وذلك لأنهم لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًا وفاقد الشيء لا يعطيه ، فالشريعة بذلك لم تنزلهم عن مرتبتهم ولم ترفعهم عنها ، بل سلكت فيهم مسلك الوسطية ، وأنك بالتتبع لمذاهب الأمم لا تجد أمة أعطت أصحاب القبور حقهم هذا إلا هذه الأمة زادها الله شرفًا ورفعة ، والله أعلى وأعلم .
(11) فائدة
... أقول: اعلم أن القاعدة في الشرك الأصغر تقول: كل ما كان وسيلة للشرك الأكبر فشرك أصغر .
... فوسائل الشرك كلها محرمة وتوصف بأنها شرك أصغر ، والفرق بين الشركين معروفة ، ومنها: أن التحريم في الشرك الأكبر تحريم مقاصد ، وأما في الشرك الأصغر فتحريم وسائل .