... اعلم أن الطامة الكبرى والمصيبة العظمى التي أدت إلى إهلاك الأمم والشعوب وأدخلت على أهلها الشرك والوثنية هي الغلو في الدين ، وهو مجاوزة الحد ، وهو من الأشياء التي شددت شريعتنا فيه وحذرت الرعية منه ؛ لأنه باب كل بلاء ومصدر كل فتنة وأساس كل رزية ومخالفة ، ولذلك قال تعالى: { يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم } ، وقال - عليه الصلاة والسلام -: (( إياكم والغلو فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو ) )رواه مسلم من حديث ابن عباس ، ولذلك فإن الشريعة سدت كل الطرق المفضية إليه ، فمن ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: (( لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم فإنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله ) )متفق عليه من حديث ابن عمر ، وقال - عليه الصلاة والسلام -: (( إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل فإن الله قد اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا ولو كنت متخذًا من أمتي خليلًا لاتخذت أبا بكرٍ خليلًا ألا وإن من قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك ) )رواه مسلم .
... ولما نزل برسول الله - صلى الله عليه وسلم - طفق يطرح خميصة على وجهه فإذا اغتم بها كشفها عن وجهه فقال وهو كذلك: (( لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا من قبور أنبيائهم مساجد ) )يحذر ما صنعوا ولولا ذلك لأبرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجدًا .
... وأول شرك وقع في الأمة إنما كان سببه الغلو كما في قوله تعالى: { وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودًا ولا سواع ويغوث ونسرًا } قال ابن عباس: ( هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى أقوالهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابًا وسموها بأسمائهم ففعلوا ولم تعبد حتى إذا هلك أولئك ونسي العلم عبدت ) رواه البخاري . قال ابن القيم: قال غير واحد من السلف: لما ماتوا عكفوا على قبورهم وصوروا تماثيلهم ثم طال عليهم الأمر فعبدوهم . اهـ