... من الأمور المهمة في باب التوحيد أن تفرق بين ما كان من قبيل العبادة وما ليس بعبادة ، فإن العلماء ذكروا أن الدعاء ، والخوف ، والتوكل ، والرجاء ، والذبح ، والاستعانة ، والاستعاذة ، والاستغاثة ، والمحبة ، أنها عبادة ، لكن ليس كل ذلك عبادة بكل فروعه وأجزائه، بل منه ما هو عبادة ومنه ما ليس بعبادة ، فلابد من التفريق ، فإذا دخلت هذه المذكورات في حيز العبادة فإنها تكون حقًا لله تعالى لا يجوز صرفها لغيره ، ومن صرفها لغيره فإنه يكون واقعًا في الشرك الأكبر - عافانا الله وإياك - ، وأما إذا خرجت عن حيز العبادة فلا تعطى حكمًا شرعيًا ، وبيان ذلك بالتفصيل .
... فأقول: الدعاء: أعني به دعاء المسألة ، فإنه لا يخلو من حالتين: فإن كان في شيء لا يقدر عليه إلا الله فهو عبادة فلا يجوز صرفه لغيره ، وعلى ذلك دلت الأدلة الكثيرة الشهيرة ، فمن دعا غير الله في أمرٍ لا يقدر عليه إلا الله فإنه يكون واقعًا في الشرك الأكبر المخرج عن الملة بالكلية ، وأما إذا دعا غير الله في أمر يقدر عليه المدعو فهذا لا يكون شركًا ؛ لأنه حينئذٍ لا يدخل في حيز العبادة وإنما هو سؤال أو طلب وليس هو الدعاء الشرعي الذي أمرت الأدلة بألا يصرف إلا لله تعالى ، وفي ذلك قلت:
فدعاؤك المخلوق شرك أكبر ... إن كان ليس له بذاك يدان
... فمن لم يعرف هذا التفصيل فإنه يوشك أن يحكم بالشرك على من لا يستحق ذلك ، والله أعلم .
... ومن ذلك: الخوف: فإن الذي يكون صرفه لغير الله شركًا إنما هو الخوف الخفي ، أي خوف السر كالخوف من قبر أو ميت أو شجر أو حجر ويتعبد له بهذا الخوف ، فصاحب ذلك الخوف هو الذي قد وقع في الشرك الأكبر ، وأما الخوف الطبيعي كالخوف من النار والحية والذئب ، فإن هذا لا يلام فيه الإنسان ، والله أعلم .