وحينئذ فيمكنه أن يقول النبيذ مسكر فيكون حراما قياسا على خمر العنب بجامع ما يشتركان فيه من الإسكار فان الإسكار هو مناط التحريم في الأصل وهو موجود في الفرع). [1]
وقال: (قياس الشمول: هو انتقال الذهن من المعين إلى المعنى العام المشترك الكلي المتناول له ولغيره والحكم عليه بما يلزم المشترك الكلي بأن ينتقل من ذلك الكلي اللازم إلى الملزوم الأول وهو المعين فهو انتقال من خاص إلى عام ثم انتقال من ذلك العام إلى الخاص من جزئي إلى كلي ثم من ذلك الكلي إلى الجزئي الأول فيحكم عليه بذلك الكلي. ولهذا كان الدليل أخص من مدلوله الذي هو الحكم فإنه يلزم من وجود الدليل وجود الحكم واللازم لا يكون أخص من ملزومه بل أعم منه أو مساويه وهو المعنى بكونه أعم) . [2]
وقال: (وأما قياس التمثيل: فهو انتقال الذهن من حكم معين إلى حكم معين لاشتراكهما في ذلك المعنى المشترك الكلي؛ لأن ذلك الحكم يلزم المشترك الكلي. ثم العلم بذلك اللزوم لا بد له من سبب إذا لم يكن بينا كما تقدم فهو يتصور المعينين أولا وهما الأصل والفرع ثم ينتقل إلى لازمهما وهو المشترك ثم إلى لازم اللازم وهو الحكم) . [3]
وقال: (فلفظ - المثل - يراد به النظير الذي يقاس عليه ويعتبر به، ويراد به مجموع القياس، قال سبحانه:(وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ) (يس/78) ، أي لا أحد يحييها وهي رميم.
فمثل الخالق بالمخلوق في هذا النفي فجعل هذا مثل هذا لا يقدر على إحيائها سواء نظمه في قياس تمثيل أو قياس شمول - كما قد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع - وبين أن معنى القياسين قياس الشمول وقياس التمثيل واحد؛ والمثل المضروب المذكور في القرآن، فإذا قلت: النبيذ مسكر وكل مسكر حرام وأقمت الدليل على المقدمة الكبرى بقوله - صلى الله عليه وسلم: (كل مسكر حرام) [4] ، فهو كقوله صلى الله عليه وسلم قياسا على الخمر؛ لأن الخمر إنما حرمت لأجل الإسكار وهو موجود في النبيذ.
فقوله: (ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ) (الحج/73) ، جعل ما هو من أصغر المخلوقات مثلا ونظيرا يعتبر به فإذا كان أدون خلق الله لا يقدرون على خلقه ولا منازعته فلا يقدرون على خلق ما سواه فيعلم بها من عظمة الخالق وأن كل ما يعبدون من دون الله في السماء والأرض لا يقدرون على ما هو أصغر مخلوقاته.
وقد قيل: إنهم جعلوا آلهتهم مثلا لله فاستمعوا لذكرها؛ وهذا لأنهم لم يفقهوا المثل الذي ضربه الله جعلوا المشركين هم الذين ضربوا هذا المثل.
ومثل هذا في القرآن قد ضربه الله ليبين أنه لا يقاس المخلوق بالخالق ويجعل له ندا ومثلا كقوله: (قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ ? فَذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ ? كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ? قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ? قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ? وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ) (يونس/31 - 36 ) ) . [5]
وقال: (وفي الصحيح عن أسماء أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:(لا شيء أغير من الله عز وجل) [6] . وفي الصحيح عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يا أمة محمد ما أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته) [7] ، فلم يصفه صلى الله عليه وسلم بمطلق الغيرة بل بين أنه لا أحد أغير منه وأن
(1) الرد على المنطقيين، ص 116 - 117، ومجموع الفتاوى 9/ 116.
(2) الرد على المنطقيين، ص 119 - 120، مجموع الفتاوى، 9/ 119.
(3) الرد على المنطقيين، ص 120 - 121، ومجموع الفتاوى، 9/ 120 - 121.
(4) جاء في صحيح الجامع الصغير للشيخ الالباني/ 4550 - (كل مسكر حرام) . (صحيح) ، رواه الامام احمد في المسند والشيخان في صحيحهما وابو داود والنسائي وابن ماجة عن أبي موسى، ورواه الامام احمد في المسند والنسائي عن أنس، ورواه الامام احمد في المسند وابو داود والنسائي وابن ماجة عن ابن عمر، ورواه الامام احمد في المسند والنسائي وابن ماجة عن أبي هريرة، ورواه ابن ماجة عن ابن مسعود.
(5) مجموع الفتاوى، 13/ 16 - 18.
(6) رواه ابن حبان في صحيحه وصححه الشيخ الالباني في التعليقات الحسان/291، وفي صحيح الجامع الصغير للشيخ الالباني/7502: (لا شيء أغير من الله تعالى) . (صحيح) ، رواه الامام احمد في المسند والشيخان في صحيحهما عن أسماء بنت أبي بكر.
(7) صحيح الجامع الصغير للشيخ الالباني/1642 - 735: (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبروا وصلوا وتصدقوا يا أمة محمد! والله ما من أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته يا أمة محمد! والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا اللهم هل بلغت) . (صحيح) ... رواه الامام مالك في الموطأ والامام احمد في المسند والشيخان في صحيحهما وابو داود والنسائي عن عائشة. والحديث في صحيح أبي داود/ 1077 صلاة الكسوف، والتعليقات الحسان على صحيح ابن حبان للشيخ الالباني/ 2834 و 2835، والارواء/658.