رسول الله صلى الله عليه وسلم أغير من المؤمنين وقد قدمنا غير مرة أن الله لا يُساوى في شيء من صفاته وأسمائه بل ما كان من صفات الكمال فهو أكمل فيه وما كان من سلب النقائص فهو أنزه منه إذ لهُ المثل الأعلى سبحانه وتعالى فوصفه بأنه أغير من العباد وأنه لا أغير منه كوصفه بأنه أرحم الراحمين وأنه أرحم بعبده من الوالدة بولدها [1] وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي مسعود: (والله لله عليك أقدر منك على هذا) [2] ، وكذلك العلم كقوله تعالى: (هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ) (النجم/ 32) ، وكذلك الكلام كقوله تعالى: (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا) (النساء/87) ، (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا) (الزمر/ 23) ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أصدق الكلام كلام الله) [3] ، ووصفه في حديث ابن مسعود [4] والمغيرة بأنه: (لا أحد أحب إليه المدح من الله) ، وكذلك قوله: (لا أحد أحب إليه العذر من الله) ، فإن الغيرة هي من باب البغض والغضب وبإزاء ذلك المحبة والرضا فأخبر بغاية كماله في الطرفين حيث وصفه بأنه لا يبغض أحدٌ المحارم كبغضه ولا يحب أحدٌ الممادح كحبه والممادح لا تكون إلا على ما هو حسن يستحق صاحبه الحمد وهو ضد القبيح الذي يغار منه). [5]
حقائق الأسماء والصفات من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله
قال شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله:
(وأما حقيقة ما دل عليه ذلك من حقائق الأسماء والصفات، وما له من الجنود الذين يستعملهم في أفعاله، فلا يعلمه إلا هو(وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ) ، وهذا من تأويل المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله.
بخلاف الملك من البشر إذا قال: قد أمرنا لك بعطاء. فقد عُلم أنه هو وأعوانه - مثل كاتبه، وحاجبه، وخادمه، ونحو ذلك - أمروا به، وقد يُعلم ما صدر عنه ذلك الفعل من اعتقاداته وإراداته ونحو ذلك.
والله سبحانه وتعالى لا يعلم عباده الحقائق التي أخبر عنها من صفاته وصفات اليوم الآخر، ولا يعلمون حقائق ما أراد بخلقه وأمره من الحكمة، ولا حقائق ما صدرت عنه من المشيئة والقدرة.
وبهذا يتبين أن التشابه يكون في الألفاظ المتواطئة، كما يكون في الألفاظ المشتركة التي ليست بمتواطئة، وإن زال الاشتباه بما يميّز أحد المعنيين من إضافة أو تعريف، كما إذا قيل: (فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاءٍ) فهنا قد خص هذا الماء بالجنة، فظهر الفرق بينه وبين ماء الدنيا، لكن حقيقة ما امتاز به ذلك الماء غير معلوم لنا، وهو - مع ما
(1) السلسلة الضعيفة/ 3109: (إن الله عز وجل لا يعذب من عباده المارد المتمرد الذي يتمرد على الله، ويأبى أن يقول: لا إله إلا الله) . موضوع
رواه ابن ماجه (4297) ، والعقيلي في"الضعفاء" (ص 33) من طريق إسماعيل بن يحيى الشيباني عن عبد الله بن عمر بن حفص عن نافع عن ابن عمر قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - في بعض غزواته، فمر بقوم، فقال: من القوم؟ قالوا: نحن مسلمون، وامرأة تحصب تنورًا لها ومعها ابن لها، فإذا ارتفع وهج التنور تنحت به، فأتت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: أنت رسول الله؟ قال: (نعم) ، قالت: بأبي وأمي! أليس الله أرحم الراحمين؟ قال: (بلى) ، قالت أليس الله أرحم بالعباد من الأم بولدها؟ قال: (بلى) . قالت: فإن الأم لا تلقي ولدها في النار، فأكب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يبكي، ثم رفع رأسه إليها فقال: ... فذكره.
أورده العقيلي في ترجمة إسماعيل وقال: (لا يتابع على حديثه) ، ثم روى عن يزيد بن هارون أنه قال فيه: (كان كذابًا) . وعبد الله بن عمر بن حفص ضعيف.
(2) صحيح الجامع الصغير للشيخ الالباني/1071: (اعلم يا أبا مسعود أن الله أقدر عليك منك على هذا الغلام) . (صحيح) ... رواه مسلم عن أبي مسعود.
(3) مشكاة المصابيح للشيخ الالباني/956 - 18: (صَحِيح)
وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي صَلَاتِهِ بَعْدَ التَّشَهُّدِ: (أَحْسَنُ الْكَلَامِ كَلَامُ اللَّهِ وَأَحْسَنُ الْهَدْيِ هدي مُحَمَّد) ، رَوَاهُ النَّسَائِيّ.
(4) صحيح الجامع الصغير للشيخ الالباني/7165 - 2450: (لا أحد أغير من الله ولذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا أحد أحب إليه المدح من الله ولذلك مدح نفسه ولا أحد أحب إليه العذر من الله من أجل ذلك أنزل الكتاب وأرسل الرسل) . (صحيح) ، رواه الامام احمد في المسند والشيخان في صحيحهما والترمذي عن ابن مسعود.
(5) بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية، 7/ 410 - 412.