الاتصال وعدم الانفصال فتكون الجملة الشرطية صفة؛ لا ابتدائية. فهذا هو الراجح في العربية مع ما ذكر من الدليل.
ولهذا قال: (إنه وتر يحب الوتر) [1] ومحبته لذلك تدل على أنه متعلق بالإحصاء؛ أي يحب أن يحصى من أسمائه هذا العدد؛ وإذا كانت أسماء الله أكثر من تسعة وتسعين أمكن أن يكون إحصاء تسعة وتسعين اسما يورث الجنة مطلقا على سبيل البدل؛ فهذا يوجه قول هؤلاء وإن كان كثير من الناس يجعلها أسماء معينة؛ ثم من هؤلاء من يقول: ليس إلا تسعة وتسعين اسما فقط وهو قول ابن حزم وطائفة والأكثرون منهم يقولون: وإن كانت أسماء الله أكثر؛ لكن الموعود بالجنة لمن أحصاها هي معينة وبكل حال: فتعيينها ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم باتفاق أهل المعرفة بحديثه؛ ولكن روي في ذلك عن السلف أنواع: من ذلك ما ذكره الترمذي. ومنها غير ذلك). [2]
الاسماء الحسنى توقيفية على النص
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:
(إن الناس لا يدركون بعقولهم كثيرًا من الغائبات؛ مثل معرفة أسماء الله وصفاته، ومعرفة الملائكة والجن والشياطين، ومعرفة ما أعدّ الله للطائعين في دار رضوانه وكرامته، وما أعدّ للعاصين في دار سخطه وإهانته.
لذا فإنّ حاجتهم إلى من يعلّمهم هذه الحقائق، ويُطلعهم على هذه المغيّبات ضرورية.
وقد امتدح الله تعالى عباده الذين يؤمنون بالغيب، فقال تعالى: {الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} (البقرة/13) . فلو لم يبعث الله الرسل، لما عرف الناس هذه الأمور الغيبية، ولما آمنوا إلا بما يُدركونه بحواسّهم. فسبحان الخلاق العليم الذي منّ على عباده ببعثة الأنبياء والمرسلين) [3] .
وقال: (وفي صحيح البخاري تعليقا عن سعيد بن جبير أن رجلا سأل ابن عباس عن قوله:(وكان الله غفورا رحيما) ، (وكان الله عزيزا حكيما) ، (وكان الله سميعا بصيرا) فكأنه كان فمضى، فقال ابن عباس: قوله (وكان الله) ، (وكان الله) فإنه يجل نفسه عن ذلك وسمى نفسه بذلك لم يجله أحد غيره وكان أي لم يزل كذلك. رواه عبد بن حميد في تفسيره مسندا موصولا، ورواه ابن المنذر أيضا في تفسيره وهذا لفظ رواية عبد). [4]
وقال: (ان وجوب تصديق كل مسلم بما أخبر الله به ورسوله من صفاته ليس موقوفا على أن يقوم عليه دليل عقلي على تلك الصفة بعينها فإنه مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام أن الرسول إذا أخبرنا بشيء من صفات الله تعالى وجب علينا التصديق به وإن لم نعلم ثبوته بعقولنا ومن لم يقر بما جاء به الرسول حتى يعلمه بعقله فقد أشبه الذين قال الله عنهم:(قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ) (سورة الأنعام/124) ومن سلك هذا السبيل فهو في الحقيقة ليس مؤمنا بالرسول ولا متلقيا عنه الأخبار بشأن الربوبية
(1) قلت: جاء في الحديث:
- (إن الله تعالى وتر يحب الوتر) ، رواه ابن نصر عن أبي هريرة وعن ابن عمر. قال الشيخ الألباني: صحيح. انظر صحيح الجامع/1829.
(2) مجموع فتاوى، 6/ 379 - 382، ودقائق التفسير الجامع لتفسير ابن تيمية، 2/ 473 - 475.
(3) النبوات/شيخ الاسلام، تحقيق عبد العزيز بن صالح الطويان، أضواء السلف، الرياض، المملكة العربية السعودية، الطبعة الأولى، 1420 هـ/2000 م، 1/ 24.
(4) مجموع الفتاوى 8/ 30.
قلت: الحديث رواه البخاري/ كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ / تفسير حم السجدة، والطبراني في الكبير، 10/ 300/الحديث/10594، والبيهقي في الاسماء والصفات، الحديث/809: (وَأَمَّا قَوْلُهُ:(وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) (النساء: 96) ، (وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا) (النساء: 158) ، (وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا) (النساء: 134) فَإِنَّ اللَّهَ سَمَّى نَفْسَهُ ذَلِكَ وَلَمْ يَجْعَلْهُ لِأَحَدٍ غَيْرِهِ. وَفِي رِوَايَةِ الْخُوَارِزْمِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَلَمْ يَنْحَلْهُ أَحَدًا غَيْرَهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: (وَكَانَ اللَّهُ) (النساء: 17) . أَيْ: لَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ. ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا لِلرَّجُلِ: احْفَظْ عَنِّي مَا حَدَّثْتُكَ، وَاعْلَمْ أَنَّ مَا اخْتَلَفَ عَلَيْكَ مِنَ الْقُرْآنِ أَشْبَاهُ مَا حَدَّثْتُكَ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُنْزِلْ شَيْئًا إِلَّا قَدْ أَصَابَ بِهِ الَّذِي أَرَادَ، وَلَكِنَّ النَّاسَ لَا يَعْلَمُونَ فَلَا يَخْتَلِفَنَّ عَلَيْكَ الْقُرْآنُ فَإِنَّ كَلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي التَّرْجَمَةَ، فَقَالَ: وَقَالَ الْمِنْهَالُ: فَذَكَرَهُ: ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهِ: حَدَّثَنِيهِ يُوسُفُ بْنُ عَدِيٍّ.)، واسناده جيد.