الصفحة 19 من 175

الحديث الذي فيه ذكر الأسماء الحسنى ضعيف

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:

(الترمذي روى الأسماء الحسنى في جامعه من حديث الوليد بن مسلم عن شعيب عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، ورواها ابن ماجه في سننه من طريق مخلد بن زياد القطواني؛ عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة.

وقد اتفق أهل المعرفة بالحديث على أن هاتين الروايتين ليستا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم وإنما كل منهما من كلام بعض السلف، فالوليد ذكرها عن بعض شيوخه الشاميين كما جاء مفسرا في بعض طرق حديثه.

ولهذا اختلفت أعيانهما عنه؛ فروي عنه في إحدى الروايات من الأسماء بدل ما يذكر في الرواية الأخرى؛ لأن الذين جمعوها قد كانوا يذكرون هذا تارة وهذا تارة؛ واعتقدوا - هم وغيرهم - أن الأسماء الحسنى التي من أحصاها دخل الجنة ليست شيئا معينا؛ بل من أحصى تسعة وتسعين اسما من أسماء الله دخل الجنة، أو أنها وإن كانت معينة فالاسمان اللذان يتفق معناهما يقوم أحدهما مقام صاحبه كالأحد والواحد؛ فإن في رواية هشام بن عمار عن الوليد بن مسلم عنه رواها عثمان بن سعيد (الأحد) بدل (الواحد) و (المعطي) بدل (المغني) وهما متقاربان، وعند الوليد هذه الأسماء بعد أن روى الحديث عن خليد بن دعلج عن قتادة عن ابن سيرين عن أبي هريرة. ثم قال هشام: وحدثنا الوليد حدثنا سعيد بن عبد العزيز مثل ذلك وقال: كلها في القرآن (هو الله الذي لا إله إلا هو) . . . مثل ما ساقها الترمذي لكن الترمذي رواها عن طريق صفوان بن صالح عن الوليد عن شعيب وقد رواها ابن أبي عاصم وبين ما ذكره هو والترمذي خلاف في بعض المواضع وهذا كله مما يبين لك أنها من الموصول المدرج في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في بعض الطرق؛ وليست من كلامه.

ولهذا جمعها قوم آخرون على غير هذا الجمع واستخرجوها من القرآن منهم سفيان بن عيينة والإمام أحمد بن حنبل وغيرهم؛ كما قد ذكرت ذلك فيما تكلمت به قديما على هذا؛ وهذا كله يقتضي أنها عندهم مما يقبل البدل؛ فإن الذي عليه جماهير المسلمين أن أسماء الله أكثر من تسعة وتسعين. قالوا: - ومنهم الخطابي - قوله: (إن لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها) التقييد بالعدد عائد إلى الأسماء الموصوفة بأنها هي هذه الأسماء. فهذه الجملة وهي قوله: (من أحصاها دخل الجنة) صفة للتسعة والتسعين ليست جملة مبتدأة ولكن موضعها النصب ويجوز أن تكون مبتدأة والمعنى لا يختلف والتقدير: أن لله أسماء بقدر هذا العدد من أحصاها دخل الجنة، كما يقول القائل: إن لي مائة غلام أعددتهم للعتق وألف درهم أعددتها للحج فالتقييد بالعدد هو في الموصوف بهذه الصفة لا في أصل استحقاقه لذلك العدد؛ فإنه لم يقل إن أسماء الله تسعة وتسعون.

قال: ويدل على ذلك قوله في الحديث الذي رواه أحمد في المسند: (اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك) فهذا يدل على أن لله أسماء فوق تسعة وتسعين يحصيها بعض المؤمنين. وأيضا فقوله: (إن لله تسعة وتسعين) تقييده بهذا العدد بمنزلة قوله تعالى (تسعة عشر) فلما استقلوهم قال: (وما يعلم جنود ربك إلا هو) فأن لا يعلم أسماءه إلا هو أولى؛ وذلك أن هذا لو كان قد قيل منفردا لم يفد النفي إلا بمفهوم العدد الذي هو دون مفهوم الصفة والنزاع فيه مشهور وإن كان المختار عندنا أن التخصيص بالذكر - بعد قيام المقتضي للعموم - يفيد الاختصاص بالحكم فإن العدول عن وجوب التعميم إلى التخصيص إن لم يكن للاختصاص بالحكم وإلا كان تركا للمقتضى بلا معارض وذلك ممتنع.

فقوله: (إن لله تسعة وتسعين) قد يكون للتحصيل بهذا العدد فوائد غير الحصر. و (منها) ذكر أن إحصاءها يورث الجنة؛ فإنه لو ذكر هذه الجملة منفردة وأتبعها بهذه منفردة لكان حسنا؛ فكيف والأصل في الكلام

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت