ولعل بيت القصيد هنا هو فحوى"الرسالة"التي حاول الإمام الغزالي تمريرها من خلال كتاب"الإحياء"بصدد مفهوم الفقه والشريعة وعلوم الدين، والتي جعلت فقهاء المرابطين في"مأزق حقيقي". لاشك أن إحراق كتاب الإحياء والتنكيل بابن العريف وأصحابه، تعتبر تجليات لهذا المأزق وتدل على الارتباك الكبير الذي اكتنف سلوكات بعض الفقهاء الذين كانوا في خدمة البلاط المرابطي خصوصا الأندلسيين منهم. والإشكالية المركزية التي أثارها الغزالي في كتاب العلم من"الإحياء"هي ضرورة تجاوز علم الظاهر إلى علم الباطن، الذي هو حسب الإمام الغزالي علم"طريق الآخرة"مقابل علم"طريق الدنيا"، ويرى الغزالي أن الفقهاء أهملوا علم الباطن، وأخذوا يتهاترون على علم الفقه لاسيما الخلافيات والجدليات. وسماهم نقلة الأخبار وحملة الأسفار .. وهذا الأمر قد تطرق إليه الدكتور محمد القبلي في كتابه"مراجعات حول المجتمع والثقافة بالمغرب الوسيط"وفيه يقول:"وأول ما يلاحظ أن الغزالي قد ميز بين المعنى الأصلي النبيل والمعنى المبتذل المتدني للفظ الفقه، فوضع الكلمة ضمن ما بدل من ألفاظ العلوم، وإذ يمثل للنموذج الأسمى لمعنى"الفقه"بالإمام مالك وسلوكه المترفع عن المغريات بجميع أصنافها، نجده يقرر أن عامة المنتسبين لهذا العلم قد تصرفوا بالتخصيص لا بالنقل والتحويل إذ خصصوه بمعرفة الفروع الغريبة في الفتاوى، بينما كان الفقه في العصر الأول مطلقا على طريق علم الآخرة، ومعرفة دقائق النفوس، ومفسدات الأعمال، وقوة الإحاطة بحقارة الدنيا".