وقد كنت ذكرت في مقالي حول"أبي الحسن الشاري السبتي" [4] نقلا عن العلامة عبد القادر زمامة:"أن ابن الزبير ينقل عن أستاذه أبي الحسن الشاري فيما يرجع لرحلة ابن جبير الشهيرة شيئا غريبا، وهو أن ابن جبير لم يكتب رحلته، وإنما قيد حاصلها من ذكر المراحل والانتقالات وأحوال البلاد لنفسه تقييدا لم يقصد به التأليف فرتبه من أخذ عنه"، وهذا يبرز حرص هذا الرجل على رفد الإنسانية بمعلومات نادرة متحريا في ذلك الدقة ونسبة المعلومات إلى أهلها، ومؤرخا في الآن ذاته للأحداث ..
يقول الأستاذ عبد العزيز الدباغ في مقاله (المناهل، عدد 34) عن كتاب"صلة الصلة":"فمن الواضح عند التأمل في الكتاب، أن ابن الزبير كان يعمد في ترجمة الذين لا يعرفهم على النقل المسند، ليتحرى بذلك في ذكر الأخبار وليربطها بمصادرها الأصلية، أما بالنسبة إلى من عايشهم وعرف أحوالهم؛ فإنه كان ذا دقة في وصفهم، وفي تدوين مختلف العلاقات التي تربطه بهم، ومن تم كان كتابه كتابا مفيدا، مؤلفا بطريقة علمية نزيهة، لا تعتمد على الإلقاء الجزافي ولا على الجانب الخطابي .. ومن أهم ما نلاحظه في طريقة تدوينه، أنه يعيش مع أعلامه كأنه فرد منهم، يشعر بشعورهم ويحس بإحساسهم، ويتحدث عن علاقاتهم العائلية، وعن مدى الاستفادة من تلك العلاقات، فإذا ترجم لشخص ما فإنه لا يكتفي بذكره، في مكان الترجمة الخاصة به بل يتعرض له من حين لآخر ليجعلك تحيا معه حياته التي كان يحياها، فلا تنفصل عنه انفصالا نهائيا، ولا ينقضي الحديث عنه بانقضاء المكان الذي وضع فيه .. ومثال معبر عن هذه المسألة يتعلق"