وقد كنت ذكرت في مقالي حول الإمام أبي مدين الغوث [2] نموذجا من التأريخ الفكري للأعلام وعلاقاتهم العلمية، وسلاسل انتقال العلم بالغرب الإسلامي الذي اضطلع به العلامة ابن الزبير في كتابه الموسوعي"صلة الصلة"، إذ قال مترجما للعالم جعفر بن سيدبونة الخزاعي:"أحد أعلام المشاهير فضلًا وصلاحًا، قرأ ببلنسية، وكان يحفظ نصف المدونة وأقرأها، ويؤثر الحديث والتفسير والفقه، على غير ذلك من العلوم. رحل إلى المشرق، فلقي في رحلته جلة، أشهرهم وأكبرهم أبو مدين شعيب بن الحسين المقيم ببجاية، صحبه وانتفع به، ورجع من عنده بعجايب دينية، ورفيع أحوال إيمانية، وحظه من العلم مع عمله الجليل موفور، وعلمه نورٌ على نور. لقيت قريبه الشيخ أبا تمام غالب بن حسين بن سيدبونة حين ورد غرناطة، فكان يحدث عنه بعجائب". ونص ابن الزبير هذا لاشك نفيس لإتيانه بمعطيات مفيدة حول العلاقات العلمية والفكرية بين المغرب والأندلس زمن أبي مدين، لاسيما وابن الزبير معاصر للأحداث وشاهد عيان ويتحدث بالخُبر لا بالخبَر ..
وقد مر معنا في الحلقة المخصصة للعلامة ابن دحية الكلبي [3] ، أن صاحبنا أبا جعفر بن الزبير ترجم في"صلة الصلة لابن دحية الكلبي، ومما قاله في حقه:"وكان معتنيا بالعلم مشاركا في فنون منه، مجتهدا معتنيا بالأخذ عن الشيوخ، ذاكرا للتاريخ والأسانيد ورجال الحديث والجرح والتعديل .."."