المنظر، فلما رآني الشيخ بها فرح فرحا شديدا، وتحقق أنه سيفتح علي في الحقائق، ولما دخلت البلد مع بعض الفقراء رافعين أصواتنا بالهيللة والناس ينظرون إلي ويتعجبون سمعت نفسي من داخلي تستغيث وتصيح وأخذ العرق يتصبب مني لأن هذا أول خرق رأته نفسي لها، وعلقت السبحة في عنقي، فلما رآني أهل الدار قاموا ليمنعوني من ذلك، فلما رأوا عزمي على ذلك سلموا وبكوا علي بكاء الميت، وتعزوا فينا تعزية الميت فكانت قوافل النساء تأتي أهل الدار وتعزيهم فينا، وحزن علينا أهل تطوان حزنا شديدا، ولما رأيت الناس لا يفارقوني استأذنت الشيخ بلبس المرقعة فأذن لي، فلما لبستها فر الناس مني فوجدت لذلك راحة كبيرة، ثم كتب إلي الشيخ أن اخرج عن كل ما يفضل عندك من الرزق وتصدق به، ولا تبق إلا قوت يوم أو يومين، فأخرجت ما أمرني به الشيخ، ثم كتب بعدها: أن اخدم الفقراء بنفسك واغسل ثيابهم واشتر لهم الصابون وأطعمهم ما عندك، ففعلت ذلك كله، ثم أمرني بالسؤال في الحوانيت وأبواب المساجد، فما رأيت في الدنيا أصعب منه، ولا أجهز لأوداج النفس منه، ولقد كنت أخرج بنية ذلك وأدور في السوق فيمنعني الحياء، فأرجع وأغبط من يفعل ذلك من الفقراء، وكانت نفسي تتمنى الموت الحسي مرارا في اليوم، حتى إذا كان يوم جمعة حلفت لها بالأيمان المغلظة لتبدأن بالسؤال هذا اليوم، فلما سلم الإمام خرجت لباب الجامع فجلست بين عجائز بعضهم عميان وبعضهم فقراء ومددت يدي للسؤال، فكان الناس يمرون بي ويغطون وجوههم حياء مني لئلا يرونني