فهرس الكتاب

الصفحة 24915 من 29568

هذا ما كانه شكري، وهو الآن مثل العمالقة؛ هو شخص فان، غير موجود، لكنه حاضر لأنه مازال يمارس عنفه علينا؛ من يستطع أن يجوب مسالك النقد دون أن يلتقي بأرسطو، ومن يستطع أن يكتب عن البوح دون أن يحضره شبح شكري؟

الذين قرأوه بوعي الأطفال أحبوه بشدة، كما انصرف عنه بعضهم بشدة أيضا. قرأوه بوعي حسي بالغ الشهوة، بالغ اللذة. وقليل جدا من القراء من قرأ نصوصه بوصفها وثيقة اجتماعية عن الرذيلة والتهميش والتشرد، باعتبار أن الجوهر الأدبي في خبزه يكاد يغيب كما صرح هو نفسه.

والحقيقة أن الأدبية في نص الخبز الحافي لم يحسم فيها شكري نفسه؛ لقد قال بخلو نصه من التقنية الأدبية، وأحيانا أخرى، ولكي لا يبخس قيمة عمله، يقول إنه لا يخلو منها.

ومهما يكن من أمر، فإن شكري هو، وفي جملة واحدة، عنوان الرفض الأدبي لكل القيم السائدة، أدبية- شكلية كانت أم أدبية- مضمونية، فالنص الجميل في آخر الأمر، هو الذي يجد قارئه أينما كان، والأدب الحقيقي هو الذي يسهل عليه العثور على قارئه، بغض النظر عن قيمته.

ومحمد شكري، فوق ذلك كله، هو ذلك الكاتب الذي أخذته أزمنة الرذيلة، وتواطأت عليه القذارة، فعانى منذ طفولته من قهر المؤسسة والسلطة والناس؛ ففي طفولته لم يصاحب غير الغجر والأندلسيين، لأن أطفال العرب كانوا يرفضونه: اذهب أيها الريفي، أولد الجوع. وقال حسن بحراوي إن محمد شكري عانى من التهميش اللغوي في طفولته عندما كانت لهجته الريفية قدرا يطارده على الدوام، حتى راح يسعى إلى مصاحبة المنبوذين لغويا، ليتلافى تلك النظرة الانتقاصية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت