فهرس الكتاب

الصفحة 22958 من 29568

العربية"ظلت وما تزال تنقل إلى أهلها عالما يزداد بعدا عن عالمهم، عالما بدويا يعيشونه في أذهانهم، بل في خيالهم ووجدانهم، عالم يتناقض مع العالم الحضاري-التكنولوجي الذين يعيشونه والذي يزداد غنى وتعقيدا، فهل نبالغ إذا جنحنا إلى القول بأن الأعرابي هو فعلا صانع"العالم"العربي، العالم الذي يعيشه العرب على مستوى الكلمة والعبارة والتصور والخيال، بل على مستوى العقل والقيم والوجدان، وأن هذا العالم ناقص فقير ضحل جاف، حسي-طبيعي، لا تاريخي، يعكس"ما قبل تاريخ العرب: العصر الجاهلي، عصر ما قبل"الفتح"وتأسيس الدولة" [20] ."

استمرار قيم البداوة في الحاضر العربي

يمتنع الحاضر عن أن يغدو تجربة عينية، لأن العربي اليوم ما زال مقيما داخل لغة الأعرابي، منتميا لعالمه الحسي، رغم كونه يعيش على هامش الحاضر أي على هامش العالم الآن الذي يزداد تسارعا، ومن ثمة عجزه الواضح عن ابتكار الحاضر وإبداع الذات، ومن ثمة أيضا بدويته التي يكرسها سلوكه اليومي المزدوج في المجتمع الذي يظل بعيدا عن السلوك المدني. فهو في الوقت الذي ينشد فيه الحداثة فإنه يتصرف وفقا لعالم الأعرابي، أي انسجاما مع قيم البداوة الأشد محافظة وجمودا، وهو ما يجعل من الحداثة بالمعنى العربي نفسها تلاعبا لفظيا وليس تجربة حياة.

يمكن أن نقول بان حاضرنا هو ضحية لغة تهيمن على مصيرنا، لغة تعادي الحاضر ولا تعترف به، لغة يحيا من خلالها الأعرابي في وعينا، ونحيا بدورنا في عالم الأعرابي بلا وعينا، لغة تقصي الأنا بما هي تفكير في الوجود

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت