يحيون حياة حسية ابتدائية تنعكس على تفكيرهم، وبالتالي على لغتهم التي جمعت منهم وقيست بمقاييسهم [18] ، وهاتان الخاصيتان تقضان مضجع الفكر النقدي، وهذا ما يفصح عنه الجابري حين يرى بأن لاتاريخية اللغة العربية وحسيتها ليست فضيلة فيها على نحو هؤلاء الذين يقدسون هذه اللغة ويعتبرونها أفصح بل أفضل اللغات على الإطلاق، بل أنهم يصفون اللغات الأخرى بالقصور والعجز عن الفصاحة، يتجلى ذلك في تسميتهم لباقي لغات العالم الحية بأنها لغات أعجمية، كما لا تعد هاتان الخاصيتان مكمنا لفلسفة خاصة باللغة العربية وبأهلها، يجب استخراجها وإبراز أصالتها ... وهذا ما يرفضه الجابري بشكل حاسم وبالتالي فهو يؤكد بأن"لاتاريخية اللغة العربية وطبيعتها الحسية معطى واقعي تاريخي يجب أن ننظر إليه بعين النقد وليس بعين الرضى والمدح. إن العالم الذي نشأت فيه اللغة العربية أو على الأقل جمعت منه، عالم حسي لا تاريخي: عالم البدو من العرب الذين كانوا يعيشون زمنا ممتدا كامتداد الصحراء، زمن التكرار والرتابة، ومكانا بل فضاء (طبيعيا وحضاريا وعقليا) ، فارغا هادئا، كل شيء فيه صورة حسية، بصرية أو سمعية. هذا العالم هو كل ما تنقله اللغة العربية إلى أصحابها، اليوم وقبل اليوم، وسيظل هو مادامت هذه اللغة خاضعة لمقاييس عصر التدوين وقيوده" [19] . يتبادر هنا سؤال أساسي وهو كالتالي: ما الذي يحول دون أن يعيش العربي اليوم حاضره؟، أو ما الذي يجعل الحاضر مغتربا عن عالم العربي، وبالمقابل ما الذي يجعل العربي مغتربا عن حاضره؟.
سيجيبنا الجابري بأن اللغة العربية هي السبب الرئيسي في إقصاء الحاضر والإنسان معا من بناء عالم مشترك، عالم التحول التاريخي، ذلك لأن اللغة