العربي. مادام ينتج التكرار اللازمني الذي ينسج دائرة الوجود المنغلق الذي لا يسمح بالفجوات والانفصالات والقطائع، فليس هذا العالم هو عالم العود الأبدي، الذي يغدو فيه التكرار استئنافا وبدءا ينتشل الموجود من عمى المطاوعة والتبعية، ويعيده إلى دائرة الوجود الصائر، حيث تنبثق كينونة الإنسان كزمانية حية تبتكر وجودها على نحو مخصوص، أي على نحو الحرية التي لم يكشف عنها العقل العربي قط زمن التأسيس. يمكننا اعتبار الجابري هنا هو المبادر إلى كشف أسس هذا العالم وكشف بنيته اللازمنية والتي تختزل الزمان في نظام ثقافي ثابت، أي في صيغة ميتافيزيقية غدت بمثابة إطار يهيمن على التاريخ ويعيد إنتاج نفس الأشكال والنماذج والممارسات والقيم. يرى الجابري أن بنية العقل العربي قد تشكلت في ترابط مع العصر الجاهلي، ولكن لا العصر الجاهلي كما عاشه عرب ما قبل البعثة المحمدية، بل العصر الجاهلي كما عاشه في وعيهم عرب ما بعد هذه البعثة، العصر الجاهلي بوصفه زمنا ثقافيا تمت استعادته وتم ترتيبه وتنظيمه في عصر التدوين، الذي يفرض نفسه تاريخيا كإطار مرجعي لما قبله وما بعده [15] . وقد غدا التاريخ الفعلي لهذا العقل العربي مرهونا بهذا الزمن الثقافي الذي لا يسمح بإمكانية التغير الجذري للتاريخ، وهذا الزمن يبقى ممتدا، يتحرك في سكون وكأن الأمر يتعلق ببساط يمسك، بواسطة الخيوط التي تؤلفه، جميع الأشياء الموضوعة فوقه ليشدها إلى حافته، أي إلى الطرف الذي انطلقت منه عملية النسج يوم بدأ في نسجه [16] .
عصر التدوين، إطار مرجعي مؤسس