فهرس الكتاب

الصفحة 22953 من 29568

والابتكار، حاضر منسوب للغائب الإنساني، وليس حاضرا منسوبا للكائن الإنساني في العالم، أي للعلة التأسيسية بما هي إبداع للعالم. ومن ثمة فالعالم الذي ينتمي إليه الكائن العربي اليوم ليس هو عالمه، بما أنه ليس من ابتكاره، وإنما هو من ابتكار الأعرابي، صانع العالم العربي. فعالم الأعرابي في نظر الجابري هو عالم انقطع عن الصيرورة، لكنه يمتلك سلطة حضور صيرته بدءا ومنتهى، أصلا وغاية في حد الآن. وميزة هذا العالم هو نسيان الحاضر، ونسيان الحاضر يبدأ عندما يهمل الإنسان الفعل بتقديسه للأثر، وفي هذا التقديس ينبعث المثال المفارق، وليس المثال المحايث، ليعرض نفسه كحاضر أبدي يمتلك سلطة لا تقبل التجاوز [13] . وهي تتمثل حسب الجابري في ثلاث سلط هي سلطة اللفظ، وسلطة الأصل، وسلطة التجويز، فالعقل العربي يتعامل مع الألفاظ أكثر مما يتعامل مع المفاهيم، ولا يفكر إلا انطلاقا من أصل وانتهاء إليه أو بتوجيه منه، الأصل الذي يحمل معه سلطة السلف إما في لفظه أو في معناه، وأن آلية هذا العقل في تحصيل المعرفة-ولا نقول في إنتاجها- هي المقاربة (أو القياس البياني) والمماثلة (أو القياس العرفاني) ، وأنه في ذلك يعتمد التجويز كمبدأ، كقانون عام يؤسس منهجه في التفكير ورؤيته للعالم [14] .

إذن يغدو العالم ممتعا عن التأسيس بالنسبة للإنسان العربي اليوم مادام الحاضر نسيا منسيا، ومعنى ذلك أن الإنسان العربي يحيا من غير عالم أو بالأحرى يحيا خارج العالم؟.

لا يسكن العقل العربي العالم، بل هناك عالم لا زمني يلازم وجوده، عالم يمتلك حضورا يمتنع عن الحاضر، ما دام أنه هو الحاضر اللازمني المفارق للتاريخ والإنسان، وهذا العالم هو من يسكن ويحيا داخل هذا العقل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت