فهرس الكتاب

الصفحة 22952 من 29568

الأعرابي صانع العالم

لا يشكل الوجود قيمة في حد ذاته بالنسبة للإنسان العربي، مادام مفصولا عن الرغبة باعتبارها ماهية الإنسان ذاته بتعبير سبينوزا، فليست الرغبة بالنسبة للعقل العربي هي ما يؤسس الفعل الذي يشكل استئناف التاريخ وحركيته، وإنما الاستجابة اللاواعية لما تحدد في الثقافة كقيمة سلفا، وهو ما يعني التأجيل القسري لحركة الحاضر، والإقصاء الممنهج للرغبة، أي انتفاء الحاضر عن الكينونة، الحاضر بما هو تجربة تستجيب لنداء الصيرورة، لا بما هو حاضر مغترب عن الزمان، فما يشكل أفق الثقافة العربية هو هذا الحاضر اللازمني أي حاضر عصر التدوين. وبعبارة أخرى فإن عصر التدوين حاضر في الماضي العربي الإسلامي السابق له، وفي كل ماض آخر منظور إليه من داخل الثقافة العربية الإسلامية كما هو حاضر في مختلف أنواع"الغد"التي أعقبته (عصر التدوين) ، هو حاضر في كل ذلك بمعطياته وصراعاته وتناقضاته الإيديولوجية وأيضا ... بكل مفاهيمه ورؤاه وأدواته المعرفية. وبتعبير آخر: إن المعطيات والصراعات والتناقضات التي عرفها عصر التدوين والتي تشكل هويته التاريخية هي المسؤولة عن تعدد الحقول الإيديولوجية والنظم المعرفية في الثقافة العربية، كما أنها المسؤولة عن تعدد المقولات وصراعها في العقل العربي [12] . فأي شكل يتخذه الحاضر من خلال هذا المنظور؟

بما أن الحاضر مفصول عن الحدث والزمان والكينونة، وبما أنه واقع تحت هيمنة ثقافة مستعادة منذ عصر التدوين، فإن هذا الحاضر يتخذ شكل الحضور الذي لا يعني سوى الامتلاء إلى حد كلي بالثوابت ما تزال تحيا في كيان العقل العربي، هو حاضر الامتداد والاتصال، وليس حاضر الحدث

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت