يمكن أن نقول بأن الإنسان العربي يعيش من غير حاضر، ومادام أن كل حاضر لا يعاش كتجربة خاصة، أي كاختبار لإمكانية ابتكار وإبداع اللحظة، فإن التجربة العينية للكائن لن تغدو سوى إعادة إنتاج، فهي تنميط للحاضر، تنميط يعوق انبثاق حركة الزمان. ومن ثمة نستنتج مع الجابري أن الإنسان العربي يعيش زمنا ثقافيا واحدا، مادام الجديد لم يحقق قطيعة نهائية مع القديم، أي مادام"النظام المعرفي"هو، أي مادام"الجديد"في حوار مع"القديم"الشيء الذي يعني أن نقطة التطور لم تبلغ بعد نقطة اللارجوع، النقطة التي لا يعود من الممكن الانتقال معها من الجديد إلى القديم [10] .
ولعل السؤال الذي يقظ مضجع المفكر العربي اليوم هو: لماذا لم يغدو الإنسان العربي علة تأسيسية؟ من وجهة نظر الجابري الأمر يتعلق بتحول هذه الثقافة إلى إطار مرجعي للعقل العربي، وهو ما يعني تحولها إلى ميتافيزيقا مهيمنة تتعالى على الإنسان ذاته وعلى تجربته الحياتية. مما يعني استحالة انفصال كينونة الإنسان العربي وتشكلها كتجربة تبتكر الحاضر فيما هي تتخطى الماضي وتنفصل عنه. ومن هنا نفهم لماذا يعتبر الجابري الثقافة العربية ذات زمن واحد منذ أن تشكلت إلى اليوم، زمن راكد يعيشه الإنسان العربي اليوم مثلما عاشه أجداده في القرون الماضية، يعيشه دون أن يشعر بأي اغتراب أو نفي في الماضي عندما يتعامل فكريا مع شخصيات هذا الماضي، أدبائه ومفكريه، بل على العكس فهو لا يجد تمام ذاته، لا يشعر بالاستقرار ولا يحسن الجوار إلا باستغراقه فيه وانقطاعه له [11] .